fbpx
المنتدى

الإسلام بين الشرق والغرب

إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية استُقي من القرآن الكريم

بقلم / سامي كمال الدين:

وضع العلاقة بين الحضارة الإسلاميّة والحضارة الغربيّة في إطار واحد فقط، أنها تاريخ من الحروب والصراعات، هو تصوير ناقص وخطأ، صحيح هناك صراعات ممتدة بينهما، لكن لا ينبغي أن ننسى أن السياسة الواقعيّة لعبت دورها الهام في تاريخ العلاقات الإسلاميّة الغربيّة.

يرى الكاتب التركي إبراهيم كالن في كتابه «مقدمة إلى تاريخنا الآخر»، أن التاريخ بالفعل به صراع كبير مثل الحروب الصليبيّة ومحاكم التفتيش، وفيه أيضًا أعمال مفكّرين اعتبروا الإسلام والغرب جارين مُتعادلين، بل في أوقات عدة اتحدا معًا، مثل قتال المسلمين واليهود جنبًا إلى جنب للدفاع عن القدس ضدّ الصليبيين، وإعادة القادة المسلمين أموال الجزية إلى اليهود والمسيحيين لعدم قدرتهم على تأمين النظام والحماية.

بل إن إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية استقي من القرآن الكريم وبعض المصادر الإسلاميّة، وهناك نسخة معروفة باسم «مصحف توماس جيفرسون» ما زالت محفوظة حتى الآن في مكتبة الكونجرس الأمريكي.

«على الرغم من اختلافاتهما الهامة، إلا أن الحضارتين الإسلاميّة والغربيّة ليستا مُجبرتين على الصراع فيما بينهما. والشرط الأدنى للعيش معًا هو التوافق مع حفاظ كل منهما على هُويته. إن وجود نظام عالمي عادل ومتكافئ لا يعني تطابق جميع عناصره من حيث أساليب التفكير وأنماط الحياة، وإنما إظهار الإرادة في التعايش معًا في ظل اختلاف الآراء».

لذا يجب عدم اختزال كلمة الإسلام في مفردات يحدّدها الغرب ويربطه فيها بالإرهاب والحروب، فالإسلام يجافي هذا المعنى، فهو الوصول إلى السلم والأمان عن طريق الاستسلام لله، مع تجلياته المتنوّعة في إطار زماني ومكاني.

دين لديه معتقدات ومبادئ أخلاقيّة يبني عليها نظامًا للحياة، لذا فالحضارة الإسلاميّة هي تطبيقات لمبادئ الإسلام من خلال شخصيات مسلمة «الحضارة الإسلاميّة هي تجسيد لتصوّرات الإسلام عن الحياة بصبغتها الماديّة والثقافيّة والمؤسساتيّة والهوياتية».

الإسلام هو معتقد وثقافة وحضارة.

المشكلة الكبيرة لدى الغرب تصوّراته على أن الآخر أو المسلم يحتاج إلى التحضّر «بعثة الحضارات»، وما يستدعي التوقف عنه التعريفات الغربيّة للغرب وأوروبا تحديدًا، حيث يعرفها كارل جاسبرس بـ «أوروبا تعني الكتاب المقدّس والحضارة القديمة. أوروبا هي هوميروس، إسكيلوس، سوفوكليس، يوريبيدس. فيدياس، أفلاطون، أرسطو، بلوتينوس، فيرجيل، هوراس، دانتي، شكسبير، غوته، ثيربانتس، راسين وموليير، ليوناردو، رفائيل، مايكل أنجلو، ريمبراندت، فيلاسكيز، باخ، موزارت، بيتهوفن، القديس أوغسطين، أنسيلم، توماس…».

ويستمرّ في سرد العلماء والمُفكّرين والأدباء والمدن، وفي الشرق أو الحضارة الإسلاميّة يمكننا فعل الشيء نفسه وسرد أسماء مئات العلماء والمفكّرين والأدباء الذين قاموا بأدوار عظيمة في خدمة البشريّة وخدمة الغرب نفسه، وبذلك لن تنتهي هذه الجدليّة.

بل إن الحضارتين الهندية والصينية لهما إسهامات فلسفيّة وفكريّة مهمّة في خدمة العقل البشري، وكذلك الحضارة المصريّة وبلاد ما بين النهرين الذين جاؤوا قبل الإغريق أنفسهم. ثم إن حضارة اليونان مدينة للحضارة المصريّة وحضارة البحر الأبيض المتوسط، بل إن أول فيلسوف يوناني «تالس» تعلّم الفلسفة والرياضيات من رجال الدين في مصر.

ثم إن الحضارة الإسلاميّة منبتها وأصلها ونقطة بدايتها القرآن ورسالة النبي، صلى الله عليه وسلم، لكن جذور أوروبا التاريخيّة تعود إلى الإغريق حسب قول «هوسرول» على عكس تلميذه «هايدجر» الذي يرى أنهم تغاضوا عن قواعد وأصول الوجود، وأن نسيان سؤال الوجود يعدّ كارثة حقيقيّة على التاريخ الميتافيزيقي الغربي.

لكن الشاعر والكاتب الفرنسي بول فاليري قال بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى إن الحضارة الغربيّة لها ثلاثة أسس، الفكر اليوناني الإغريقي والثقافة الرومانيّة واللاهوت والأخلاق المسيحيّة.

يقول كالن: إنه من الممكن إعادة جذور الحضارة الغربية إلى مصدرين رئيسيين: الثقافة اليونانية – الرومانية، والتقاليد اليهودية – المسيحية.

الفكر والثقافة اليونانية (الإغريقية) يُشكلان جذور الحضارة الغربيّة في فترة ما قبل المسيحيّة، ويشكلان في الوقت ذاته أساسها الفلسفي العلمي والكوني.

الثقافة الإغريقيّة التي ظهرت جغرافيًا في دولة اليونان وجزر بحر إيجة كانت تؤمن بتعدّد الآلهة، وعلى الرغم من تأكيد سقراط وطالبه أفلاطون على فكرة الإيمان بالإله الواحد، إلا أن الدين الإغريقي الشعبي كان يؤمن بتعدّد الآلهة».

لكن بقي السؤال الذي طرحه هايدجر وهوسرول وفاليري: ما الذي يجمع الأوروبيين معًا؟!

وهو سؤال كبير، ما الذي يجمع شعوبًا مختلفة عرقيًا ولغويًا وثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا ودينيًا تحت هُوية واحدة؟!

يجيب نيتشة: «نحن أكثر حرية مما مضى، ونستطيع النظر في الاتجاهات الأربعة. لم يعد هناك أي عائق أمامنا. نحن محظوظون لأننا نستطيع أن نستشعر الفضاء الرحب من حولنا.. لكننا في الوقت نفسه نشعر بالفراغ المهيب».

على الرغم من أن الإجابة غير شافية إلا أنه يقصد أن هُوية أوروبا تنضوي تحت حرية الفرد والجمهورية وسيادة القانون.

يقول شهرازوري، الذي تتلمذ على يد سهروردي: «إن العناية الإلهيّة عندما أرادت لهذا الكون أن يوجد، أمرته أن يبنى على الإحسان، وهذا الإحسان لا يتأتى إلا بمجيء الدين والقانون على يد الأنبياء والحكماء المُتعمّقين بالمعرفة والعقلانيّة».

@samykamaleldeen

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X