fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. حياة المظاهر

العولمة - وفكرها الرأسمالي - استطاعت أن تجردنا من إنسانيتنا ومبادئنا

نعيش اليوم في مجتمع تسوده البهرجة والمظاهر الخداعة، فعليهما تقوم حياتنا واختياراتنا وقراراتنا وميولاتنا. فكل شيء، كل شيء تحكمه المظاهر وتسيطر عليه، فمناسباتنا وأعمالنا وأقوالنا تملؤها المظاهر والتلوّن والتمثيل، وحبنا للناس أو كرهنا لهم لا لشيء إلا وفق النظرة السطحية التي أصبحت تتحكم حتى في علاقاتنا.

بل إن حياتنا اليومية نفسها لا يستهويها إلا ما هو حسن المظهر والمنظر، دون أن نلتفت لجوهر الأمور ودواخلها.

والأدهى والأمر أنك صرت لا تستطيع التفريق بين حقائق الأمور ومظاهرها وبين واقع الأشياء ومُزيفها، وكما قال الشاعر:

للناس ظاهر ومظاهر تخدعُ

فلا تحكمن بالذي ترى وتسمعُ

فربّ باك ودمعه مزيف

ورب باسم وقلبه يدمعُ

ورب ذي شهرة تلقاه وحيدًا

ورب بسيط من صحبه لا يُقطعُ

ورب حسناءَ حوَت كل المفاتن

وعقلها في جيب حقيبتها يقبع.

نعم، فكل ما نراه صار مزيفًا ومصطنعًا. وأصبح حتى اللبيب الذي لديه قناعات وأفكار تهتم بالجوهر، ولا تلتفت للقشور، لكنه لا يستطيع الافتكاك من مجتمعه وميولاته. فلا يملك هو أيضًا سوى السير مع المجتمع والانقياد مع غيره، وإلا اعتبر سلوكه نشازًا ومنبوذًا في مجتمعه.

ومن مظاهر هذا الانقياد الذي صار يحكمنا في هذا المجتمع السطحي، أنه قد يُعيّنُ شخصٌ مديرًا في شركة أو إدارة ما، فيدخل عنده الموظفون والأصدقاء ليباركوا له المنصب الجديد، فيقولون له: ها قد صرت تحتاج سيارة تليق بمقامكم الجديد يا سعادة المدير! كأنما المنصب مرتبط بالسيارة الجديدة.

وكم من موظف أو عامل بسيط يضطر للسفر كل سنة في العطلة مع أسرته، وإن لم يكن يملك المال لذلك فيقترضه، فقط لكي لا يقول له جيرانه بأنه لم يسافر، ولكيْ لا تُحرج زوجته المصونة أمام صديقاتها المسافرات، حين يتبادلن صور السفر على الواتساب!

وكم أيضًا من امرأة تجري وراء الماركات العالمية في اللباس والحلي والعطر، دون أن تهتم بحال زوجها وظروفه وبأن هناك أساسيات أولى من اللباس ومن الحلي، وبأن هناك ما هو أكثر قيمة وهو تنمية العقل، والفكر، وتربية الأبناء، وتوعيتهم.

وكم من شخص يثقل كاهله بالديون التي لا قبل له بها، من أجل شراء الألبسة الغالية والأثاث الفارِه، والظهور أمام غيره بمظهر يفوق حقيقته وحقيقة وضعه الاجتماعي والاقتصادي. فالكل يعلم أن المظاهر هي التي صارت معيارًا لترتيب الناس وتقييمهم، فكما يقال في المثل: «ثيابك ترفعك قبل جلوسك وعلمك يرفعك بعد جلوسك». فالشكل والهندام هما اللذان يعطيانك القيمة وسط المجتمع، ويفرضان على الغير احترامك وتقديرك.

إن العولمة -وفكرها الرأسمالي- استطاعت أن تجردنا من إنسانيتنا، من مبادئنا ومن اهتماماتنا التي خلقنا الله وَفقَها. فالمظاهر وإن طالت ستزول بلا شك وسيظهر تحتها معدننا، حقيقتنا، فكرنا. ولذلك فالواجب علينا أن نحوّل أعيننا نحو جوهر الحياة وكُنهِ الأشياء، فهناك، هناك فقط سنجد ضالتنا كبشر خلقنا الله لأمور تفوق المظاهر وتفوق البهرجة الخارجية.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X