fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. احذر اللسان

لنترفع عن هذا الدرك الأسفل من الأخلاق.. ولنعش حياتنا كما أرادها الخالق

جلس رجل في زاوية المطعم، وبيده ورقة وقلم. العجوز ظنت أنه يكتب رسالة لأمه، والشاب ظن أنه يكتب رسالة لخطيبته، أما الطفل فقد ظنه يرسم، في حين أن التاجر اعتقد أنه يتدبر صفقة، أما الموظف فيظن أنه يُحصي ديونه.. فكل شخص يفسر تصرفات الآخرين من زاوية اهتماماته. وكل شخص يرى الناس بعين طبعه وتفكيره.

الشاهد هنا: قبل أن تحكم على إنسان اسمع منه لا تسمع عنه، فلا تظلم أحدًا. وافعل ما أنت مقتنع به ويُرضي ربَك وضميرَك، لأنك في الأول والأخير لن تسلم من كلام الناس على أية حال.

هذه الحياة أقصر من أن نضيعها في أمور أتفه وأحقر من أن نشغل عقولنا بالتفكير بها ونملأ بها أوقاتنا، ونظل طوال حياتنا منشغلين بأولئك الذين نُبغضهم. فحسن الظن بالناس من علامات الصلاح ومن حسن الخُلق. كما أنه منبع للسعادة في الدارين. وفي هذا يقول الشاعر:

حَسِّنِ الظَّنَّ تعشْ في غبطةٍ

إنَّ حُسْن الظَّنِّ مِن أوقى الجننْ

مَن يظن السُّوءَ يُجْزَى مثلَه

قلَّما يُجْزَى قبيحٌ بحسنْ

لكن للأسى والأسف الشديد أننا في مجتمعاتنا نحكم على شخص عبر سماعنا من شخص آخر عنه شيئًا سيئًا، دون حتى أن نتأكد من صحته، فنظن به الظنون ونحن لا نعرف سريرته ولا نعلم ما بينه وبين الله من شيء، وكيف نعلم والله عز وجل هو العالم بمكنونات الأمور كلها (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) غافر: 19.

فلم يعد لنا همٌّ في حياتنا -في مجالسنا- إلا أن نخيط أعراض الناس بألسنتنا، ونذكر ما نشاء فيمن نشاء، وأن نتحدث في عورات الناس وأمورهم الشخصية، متلذذين بذلك ومستمتعين بهذه المواضيع.

وقد لامست أنا شخصيًا هذا، خاصة في مجال العمل، حيث كل يكيد للآخر، وينتهز الفرصة الحاسمة لنقل الخبر والبحث في أعراض الناس بدل تمضية الوقت في تأدية الواجب، يقول تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم) النور: 15.

فهذه الآية الجامعة المانعة تصف هؤلاء المنافقين المتلوّنين، الذين يعيشون على النفاق ونقل أخبار غيرهم. الذين إن كانوا معك ظننتهم من أقرب المقربين، وما إن تدير ظهرَك حتى يطعنوا فيك وفي شرفك.

أعظِم بذاك الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء إثمًا أن يُحدث بكلّ ما سَمع). أي: يكفيك إثمًا، ويكفيك كذبًا ومعصيةً أن تنقل للناس كل ما سمعته.

وهنا أيضًا أستحضر الأبيات الحكيمة للإمام الشافعي، التي لو سِرنا على نهجها لكانت حياتنا وأحوالنا مختلفة لا محالة، فهو القائل:

إذا رمت أن تَحيا سَليمًا مِن الأذى

وَدينُكَ مَوفور وعِرْضكَ صَيِنُّ

لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ

فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ

وعَينُكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِبًا

فَدَعها وَقُل يا عَينُ للنّاسِ أعيُنُ

وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى

ودَافع، ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ

فلنترفع إخوتي الأعزاء عن هذا الدّرك الأسفل من الأخلاق، ولنعش حياتنا كما أرادها لنا خالقنا، ظاهرنا كباطننا، سِرُّنا كعلانيتِنا.

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X