fbpx
كتاب الراية

عن شيء ما .. أحن إلى خبز أمي

ذاكرتنا المفضلة المرتبطة بالخبز تشمل مواقف مع الأمّهات والجَدّات

يُرافقُ صباحي في العمل قطعة الخبز التي أفضلها «كرواسون» مع قهوة سادة، لكن جال في خاطري هذا الصباح أنَّ لهذا الخبز تاريخًا طويلًا ربما بدأ بدائيًا ثم ليصبح له فنٌّ وفنون،، بل ورمزية وعواطف وقصص وفلسفة وأمثال شعبية.. ربما تلخصها أغنية «أحن إلى خبز أمي» الشهيرة التي كتبها الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

وحسب الروايات كان الشاعر محمود درويش، يشعر في طفولته بأنَّ أمّه تُفضل إخوته عليه، مما ولّد لديه مشاعر سلبيّة تجاه أُمّه، وكبر هذا الشعور معه، إلى أن جاء يوم في عام 1965، واعتقلته السلطات الإسرائيلية على خلفية إلقائه قصيدةَ شعرية في جامعة القدس دون تصريح ثم رحل إلى السجن.

وبعد فترة جاءت أُمّه لزيارته في السجن تحمل إليه القهوة والخُبز، إلا أن الجندي منعها، وبعد مقاومة منها وإصرارها سمحوا لها بزيارته، وعندما رأته احتضنته وأخذت بالبكاء، وأحسّ حينها الشاعر محمود درويش بأنه عاد طفلًا صغيرًا بين يدي أُمّه، وشعر بحبها، وأدرك أنه كان مُخطئًا طوال تلك السنين، وأنه ظلم أمه، وبعد ذهابها لم يجد ما يعبر عن أسفه، واعتذاره لأمه سوى الكتابة، فكتب هذه القصيدة على ظهر ورقة الألمنيوم لعلبة السجائر، لكن ما علاقة الخبز ورائحته بالأمّ أو الوطن؟

أكّد استطلاع للرأي أن ذاكرتنا المفضلة المرتبطة بالخبز تشمل ذكرياتنا مع الأمهات والجَدّات! وحسب البحث، فإن الخبز لديه القدرة على استحضار «رائحة الذكريات السعيدة» لدينا، التي ترتبط بصورة أكبر بمرحلة الطفولة.

إذن يرتبط الخبز بشكل أو بآخر بذاكرتنا الطفولية وربما لكل منا قصته مع هذا الخبز لكن للخبز أيضًا قصته الخاصة، قصته التي تعود إلى عشرة آلاف سنة خلت. آنذاك أكل الإنسان القديم أول خبز شبيه بالذي نعرفه اليوم، بعدما طحن حبّات القمح ومزج دقيقها بالماء وحمصه على النار، وهو مهما اختلف شكلًا ومضمونًا يبقى الغذاء الأساسي للإنسان وشأنًا حياتيًا حاضرًا أبدًا.

الخبز إذن ليس قطعة مغطاة بالزبدة أو الشوكولاتة للمرفهين والأغنياء، بل أيضًا هو رمز لأساسيات غذاء الفقراء، ربما لهذا تندر الناس بحكاية الملكة «ماري أنطوانيت» حين قالت عن شعبها الغاضب: إذا لم يكن هناك خبز فليأكلوا البسكويت!

وعلى الرغم من أن المؤرخين يشككون في صحة هذه الرواية، ويعتبرونها مجرد شائعة شعبية، إذ لا يعقل أن تكون زوجة لويس السادس عشر على هذا القدر من السذاجة، إلا أنّ هذه الحكاية تلخص تاريخ طبقية الخبز المغمس دائمًا بالسياسة، وبعيدًا عن السياسة والفلسفة فإن للخبز في رأيي الشخصي وظيفة تتعدى الأكل وهي المشاركة.. لمَ لا؟ وقد دخل الخبز أيضًا الأمثال الشعبية العربية. إذ ما زال يعتقد أنه يشكل الرابط القوي الذي لا يمحى بين اثنين: فيقال: «بيننا خبز وملح».

لكن لحظة، ماذا عن الملح هو الآخر؟

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X