fbpx
المنتدى

أمريكا وبزنس الحروب

الحروب المستجدة أصبحت تحصد أرواح أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين

بقلم / توجان فيصل ( كاتبة أردنية ) :

كنا تفاءلنا بفوز بايدن برئاسة أمريكا بعد أن كان نائب الرئيس في الإدارة التي أنجزت أهم صفقة في العصر لإنهاء الحروب في منطقتنا. فما أنجزته إدارة أوباما – بايدن بإبرام اتفاقية 5+1 التي جمعت دولًا قيادية حلفاء وأضدادًا مع إيران، أسس لسلم في إقليمنا الهام للسلم العالمي، وأنهى أي تخوّف من تطوير إيران سلاحها النووي في المستقبل المنظور على الأقل، خروج أمريكا من الاتفاقية تمّ على يد إدارة ترامب التي تسبب لإدارة بايدن مشاكل داخليّة عديدة تجعلنا نتفهّم بصبر خيار بايدن عدم عودة أمريكا للاتفاق فور توليه منصبه، ونتوقّع عودتها بعد أن تعالج مشكلة ترامب.
ولكن تفهمنا وتقديرنا هو لظروف إدارة بايدن وليس لتاريخ أمريكا كما عرفناه قبل إدارة أوباما. فالحرب النووية، أمريكا هي أول من سعى لها واقترفها عمدًا في إفناء مدينتَي هيروشيما وناجازاكي، وليس حتى استهداف مواقع عسكرية، لأنها بفعلتها هذه حتمت عولمة السعي لامتلاك السلاح النووي الذي أصبح وحده الحامي للشعوب قبل أن يصبح الحامي لأنظمة قمعيّة ككوريا الشماليّة، وهو ما يلقي بالمسؤولية عما يجري لأهل كوريا الشمالية، على أمريكا بقدر ما يلقيها على الزعيم الكوري. فانتشار الأسلحة النوويّة هو ما لجم تكرار إدارات أمريكا لتوظيف السلاح النووي.
ولكن الحروب المستجدة أصبحت تحصد أرواح أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين، ومثلهم أو أكثر من يعودون معاقين جسديًا أو نفسيًا، ويختار العديد منهم الانتحار لكونه لا يستطيع تجاوز ما لحق به أو ما ألحقه ببشر أبرياء بمن فيهم نساء وأطفال يقتلون صدفة أو عمدًا، ويباركها ساسة أمريكان ويرحبون بها ثمنًا لمصلحة سياسية أو مالية، كما أقرّت مادلين أولبرايت حين ووجهت من طلبة أمريكان بحقيقة قتل نصف مليون طفل عراقي لحينه آنذاك!
وهذا الاعتراف «التاريخي» يكشف حقيقة تلك المصلحة التي تقتصر على صناعة السلاح وتجارة خدمات الحروب، كما تكشفه النهايات العبثيّة، أو حتى السلبيّة لتلك الحروب. فغزو العراق، مثلًا، صبّ لصالح إيران القوة الكبرى في الشرق الأوسط والأخطر حين يجري استعداؤها لكونها تمثل أيديولوجية مبنيّة على معتقد ديني لا أقل. وهذا ما أدّى لأن ترث إيران ما تبقى من العراق بعد تمزيق أمريكا وتدميرها له في حرب عبثيّة كلفت أمريكا عاليًا، ماليًا وسياسيًا وبشريًا، ولو بأقل بكثير من الكلفة على العراقيين. والرابحون الوحيدون من الأمريكان هم أقطاب صناعة السلاح وتجارة الحروب وخدماتها التي تضم – صراحة وليس سرًا – تنظيمات مرتزقة من مثل «بلاك ووتر» التي تتواجد بصورة مشروعة داخل أمريكا. ولافت أن أكبر صناع السلاح هم من كبار ساسة أمريكا بدرجة وارثين للرئاسة حتى لو كان الوريث معاقًا، كما في عائلة بوش، ويُكافَأ ويُحفَز ساسة أصغر وطارئون بالسماح لهم بشراء، أو بمنحهم أسهمًا في تلك الشركات كما في حالة أولبرايت.
وصناعة وتجارة الحروب هي الكبرى في أمريكا التي لا يبدو أنها معنيّة بمنافسة صناعات دول أخرى تستعديها أمريكا أو أقله تتوجس منها، كالصين التي تغزو منتجاتها السوق الأمريكي صراحة منذ عقود، بما فيها منتجات لما يعتبر ماركات عالميّة أمريكيّة (ومثلها أوروبية). المنتج الوحيد المطوّر عاليًا والمنتج أمريكيًا صرفًا هو السلاح، والذي يقتصر تصديره أيضًا على حلفاء أمريكا على الأقل تطورًا (باستثناءات محدودة لإسرائيل) بما ينفي أولوية الإنفاق الباهظ على التسلح، خاصة حين لا تكون أمريكا في حالة حرب، ولا يوجد ما يهدد ولو من بعيد أمنها أو مصالحها الحيويّة، في حين أن «الحفاظ» على أمن أمريكا يتطلب درء مصادر حروبها التي كانت كلها – باستثناء دخولها الحرب العالمية الثانية لجانب أوروبا – سقوطًا في مستنقعات ألّبَت الشارع الأمريكي على إداراته.
على هذه الخلفية تأتي صدمة تخصيص إدارة بايدن للموازنة العسكرية 770 بليون دولار، بزيادة 30 بليونًا على موازنة العام 2021 التي أقرّها ترامب، ما يشجع على التورط في الحروب سواء لبيع السلاح الذي صناعته مسيسة بدرجة عالية لجهة مالكيها، وأيضًا لكون أمريكا خصخصت نشاط الحروب، بزعم غير بريء لرفض هيمنة الدولة على أي نشاط بكونه من النهج الاشتراكي لعدواتها السابقات اللواتي لم يبق منهن أية دولة ذات أثر أو خطر باستثناء كوريا الشماليّة التي لن تجازف بالخروج من قوقعتها. والخصخصة هنا تتجاوز التصنيع العسكري لتصل لتعهدات خدمات الحروب وتجنيد مرتزقة تصل في بذخها ونفعيتها حد إيصال وجبات فردية مغلفة للجنود في مواقع عسكرية، كأن الأمر رحلة استجمام.
ما كان يجري وتكرر الآن وتقافم بلا مبرر، ليس فقط تخصيص موازنة ضخمة يسيل لها لعاب صنّاع السلاح وتجار الحروب، بل البدء في صرف ما يسمى «مخصصات» متعهدي تنفيذ تلك السياسة بالقطاع الخاص، وهم حتمًا من المتنفذين سياسيًا في أمريكا التي يتيح نظامها تمويل حملات المرشحين للرئاسة كما للسلطة التشريعية. والأخيرون سيفتعلون الأزمات بل ويختلقون الحروب لضمان استمرار ضخّ تلك المليارات المهدّدة بالتقلص حتمًا، حيث لا يثبت لكل الأمريكيين أن لا مبرّر لكل هذا السخاء في مال «دافعي الضرائب» في غياب حروب تُخاض. فحاليًا المُخصصات الحربيّة الأمريكيّة تفوق مجموع المخصصات الحربيّة لإحدى عشرة دولة تالية لأمريكا. ومخصصات كبراها، الصين هي 250 مليار دولار، بينما مخصصات روسيا 60 بليونًا فقط !

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X