المنتدى

المشرق العربي واستراتيجيات التحول في أدوار الكيان الصهيوني

استراتيجية تبديد الصورة السلبية وبناء التحالفات مع الأطراف الإقليمية

بقلم /د. خالد مفضي الدباس

بمنهجية استدلالية تاريخية للبحث في آليات خلق الأدوار، وتوزيعها، يتضح جليًا يومًا بعد يوم، وجود علاقة ارتباطية جدلية عميقة، تأخذ منحًى طرديًا، بين تنامي أدوار الكيان الصهيوني في المنطقة، وبين الزيادة في هشاشة النظام الإقليمي العربي. فمنذ الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني في نهاية الأربعينيات من القرن المنصرم، لم يكن أعتى القادة الصهاينة يحلم أنه في غضون أقل من سبعين عامًا، سيتحول الابن غير الشرعي للقوى الاستعمارية من مجرد وليد، يناط به أدوار محددة في خدمة السادة إلى لاعب إقليمي محوري في المنطقة العربية، وصولًا إلى إدارة المنطقة برمتها، وإعادة تشكيلها بما يخدم أهدافه، ومصالحه الاستراتيجية.
فقد حدثت تطورات دراماتيكية متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي في نهاية العقد الثامن، وبداية العقد التاسع من القرن العشرين، فقد انتهت الحرب الباردة، وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها -خاصة إسرائيل- عهدًا جديدًا في تقاسم الغنائم، عبر إعادة ترسيم منطقة المشرق العربي سياسيًا وعسكريًا، كمقدمة لتحقيق الهيمنة الشاملة على الإقليم. فقد شكل مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 مقدمة لشرعنة الوجود الصهيوني في المنطقة، باعتباره طرفًا إقليميًا طبيعيًا يمتلك شرعية الوجود، وبشهادة العديد من الأطراف العربية. كما تم تضخيم وشيطنة النظام العراقي، ما أفضى إلى خروج العراق من النظام الإقليمي العربي كقوة إقليمية مؤثرة، إيذانًا باحتلاله عام 2003.
بُعيد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أصبح المشرق العربي مادة هلامية يسهل إعادة تشكيلها وتركيبها، وبما يتسق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وبدأت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها بفتح صفحة أخرى من كتابهم الذي يسطرون، فكانت صفحة الحركات الإسلامية المتشددة وتعظيم خطرها، أولى الصفحات التي تم استثمارها، ثم بدأ الحديث عن دور إيران في المنطقة، فاستنهضت الإدارة الأمريكية العديد من همم الدول العربية لمواجهة هذه الأخطار، التي لم تكن تملك إلا خيار الاستجابة بسبب حالة الضعف والوهن:
إِذا القَومُ قالوا مَن فَتىً خِلتُ أَنَّني
عُنيتُ فَلَم أَكسَل وَلَم أَتَبَلَّدِ
وانشغلت المنطقة العربية، وإعلامها بخطر الجماعات الإسلامية، وفي هذه اللحظة التاريخية الحاسمة هبّ الكيان الصهيوني لمساندة الدول العربية في حربها الدونكيشوتية ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، في مشهد تاريخي ساخر، ما أفضى إلى تطور كبير في دوره، فغدا لاعبًا رئيسيًا في المنطقة.
ولم تكن ثورات الربيع العربي وتحويل مساراتها (قسرًا) إلى حالة من الفوضى -الهادفة إلى إجهاض أي مشروع نهضوي عروبي- إلا فرصة تاريخية أخرى أمام الكيان الصهيوني؛ إذ طرأ تحول استراتيجي في دوره متجاوزًا محاولة الاندماج في المنطقة بوصفه جسمًا طبيعيًا، نحو دور متقدم ويتمثل في بناء شبكة من التحالفات مع العديد من القوى الإقليمية والأطراف العربية، وُلوجا إلى مرحلة إدارة المنطقة وتوزيع الأدوار، وفي المقابل تزايدت حدة الاستقطاب السياسي بين الأطراف العربية وتصارعت النظم السياسية بين مؤيد لثورات الربيع العربي، وبين رافض لفكرة التغيير.
ومن خلال استنطاق فلسفة الأحداث، فإنه يمكن الجزم، بأن التحولات الكبرى في أدوار الكيان الصهيوني لم تتأتّى إلا عبر اتبّاعه مجموعة من الاستراتيجيات المدروسة، بعناية فائقة، وبدقة وعلى مراحل عدة، وذلك على النحو التالي:
أولًا- استراتيجية التأسيس: التي اشتملت على التمدد التدريجي، والانتشار، وتكريس الأمر الواقع، وشرعنة الوجود السياسي والعسكري والقانوني.
ثانيًا- استراتيجية تبديد الصورة السلبية: حتى يبدو الكيان الصهيوني جسمًا طبيعيًا في المنطقة.
ثالثًا- استراتيجية بناء التحالفات مع الأطراف الإقليمية المختلفة: ولم يتأتى ذلك إلا عن طريق تشويه صورة الحركات الإسلامية، خاصة تلك التي تتبنى الجهاد كوسيلة للتخلص من الهيمنة الأمريكية والغربية.
رابعًا- إعادة تشكيل المعطيات القائمة للثقافة الدينية السائدة في المنطقة العربية تشكيلًا إيجابيًا عبر إعادة إنتاج نموذج عروبي- إسلامي جديد وبرؤية جديدة.
خامسًا- استراتيجية إدارة المنطقة وتوزيع الأدوار: وهي استراتيجية تشاركية مع الإدارة الأمريكية، عن طريق إقامة شراكات استراتيجية مع الوكلاء الإقليميين الذين يتم توجيههم، وإقناعهم بوجود أخطار تهدد كياناتهم السياسية، ولا يتأتى هذا الأمر إلا عن طريق إقامة علاقات استراتيجية مع الأشخاص القابعين في السلطة أو من المقربين من السلطة.

أستاذ العلوم السياسية المشارك

في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية وجامعة اليرموك.

 

[email protected]

 

العلامات

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X