fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. لصوص العقول «صنّاع الرأي»!

التلاعب بأفكار الجمهور وفبركة الأحلام والاتجاهات علم يدرس في الجامعات والمعاهد العُليا

أصبحَ مصطلحُ «صناعة الوهم»، أو ما يُعرفُ بفنّ التّلاعب بالعقول، من المُصطلحات التي تتردّد على مسامعِنا كثيرًا، إذ بات له صدًى واسعٌ في الآونة الأخيرة، لا سيما في ظلّ هذا الصخب والضجيج الإعلامي الذي يحاصرنا من كل حدب وصوب عبر منصات التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا» والوسائل الإعلاميّة المُختلفة.

وأصبحَ التلاعبُ بأفكار الجمهور وفبركة الأحلام والاتجاهات، علمًا يدرس في الجامعات والمعاهد العُليا، وتشتغل عليه مراكز البحث والتأثير، وتتولى وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، عملية التأثير لصناعة الرأي العام، وبناء الاتجاهات بكل الوسائل، حتى وإن كانت غير مهنية، أو غير أخلاقية، أو غير مشروعة، لأننا انتقلنا من زمن تراجع الموضوعية إلى زمن انعدامها، بفبركة الأخبار والصور والقصص.

وفي اعتقادي أنَّ الواقع الذي نعيشه اليوم، هو أقرب إلى الوهم منه للحقيقة، فالكثير من المعطيات الحالية عندما نقارنها بأرض الواقع نكتشف أن الواقع مصطنع، ونصل أحيانًا إلى نقطة مفادها أنه لا توجد أسباب حقيقية لكل ما تثيره الوسائل الإعلاميّة من حروب اقتصادية، ومخاوف أمنية وصحية، وما نعيشه ليس سوى حروب وهمية، تهدّد عقولنا، صنعتها آلة الإعلام لتخدم أجندات مختلفة تنصب كلها لصالح الأقوى الذي يقدّم نظرته، وفكره في ثوب الحقيقة تارة، وفي ثوب الحرية تارة أخرى.

ومن القصص القريبة لواقعنا اليوم، يقال: كان لأحد الأشخاص خروف أراد بيعه فأخذه إلى السوق فرآه أربعة لصوص اتفقوا أن يسرقوا منه الخروف بأسلوب ذكي فتقاسموا الجلوس على جانب الطريق المؤدية للسوق التي سيمر منها صاحب الخروف، فجلس الأول بداية الطريق المؤدية للسوق، وجلس الثاني في ربع الطريق، وجلس الثالث بعد منتصف الطريق وجلس الرابع قبل نهاية الطريق بقليل.

وجاء صاحب الخروف من جانب اللص الأول وألقى عليه السلام فرد اللص السلام وبادره بالسؤال: لماذا تربط هذا الكلب وتقوده خلفك ؟! فالتفت صاحب الخروف إلى اللص، وقال له: هذا ليس كلبًا إنه خروف سأذهب لبيعه في السوق ثم تركه وانصرف، وبعد مسافة التقى باللص الثاني وإذا به يسأله: لماذا تربط هذا الكلب وتقوده خلفك ؟! فنظر إلى اللص وقال له: هذا خروف وأنا ذاهب لأبيعه في السوق، وتركه وانصرف.

لكن الشك بدأ يتسرّب إلى قلبه فأخذ يتحسس الخروف ليتأكد هل هو كلب فعلًا كما سمع من الرجلين السابقين أم أنه خروف كما يعتقد هو ؟! وبعد مسافة التقى باللص الثالث، وإذا باللص يسأله نفس الأسئلة السابقة: لماذا تربط الكلب خلفك؟ فاندهش صاحب الخروف وزادت حيرته ونظر إلى اللص ثم انصرف ولم يجبه عن سؤاله لأنه بدأ يتأكد أنه يقود كلبًا وليس خروفًا، وبعد مسافة التقى باللص الرابع فسلم عليه وباشره اللص قائلًا: ما بك يا رجل تربط الكلب وتقوده خلفك؟!! هنا تأكد صاحب الخروف أنه يقود كلبًا وليس خروفًا، فليس من المعقول أن يكون الأربعة كاذبين!!

ثم التفت إلى اللص وقال له: لقد كنت في عجلة من أمري فاعتقدت أن هذا الكلب خروف فربطته لأذهب به إلى السوق لأبيعه ولم يتبين لي أنه كلب إلا الآن ثم فكّ وثاق الخروف وأطلق سراحه وعاد مُستعجلًا إلى بيته يبحث عن خروفه، فأخذ اللصوص الخروف وانصرفوا وهم يتهامسون بسرور وغبطة!

والخلاصة من هذه القصة أن هكذا تتم صناعة الرأي العام والتضليل من قِبل صانعي الوهم، رغم أن هناك حقيقة واحدة يجب إدراكها وهي أن الخروف ذهب مع اللصوص وأن الكلب عشعش ونام في عقل صاحب الخروف.

والله ولي التوفيق،،

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X