fbpx
كتاب الراية

الريادة والتغيير … تضارب المصالح عبر مواءمة المصالح

سبَّبت آليات عدم تضارب المصالح في دول أخرى بطئًا في الإجراءات وبيروقراطية وعجزًا في استقطاب الكفاءات

يجب على أدوات الاستثمار المحلية ضمان مواءمة المصالح بعيدًا عن الأفراد

يعمل المشرع في قطر على تأكيد مبدأ عدم تضارب المصالح

أينَمَا تضاربت المصلحةُ الشخصيةُ مع المبادئ العُليا، تنتصرُ المصالحُ الشخصيةُ – جورج سوروس رجل الأعمال الملياردير الذي وهبَ 32مليار دولار من ثروته للأعمال الخيرية. تقومُ الدولُ على مبدأ العدل والنزاهة والشفافیّة ومُكافحة الفساد، ولذا اعتمدت القوانينُ في دولة قطر والمنطقة على مبدأ الفصلِ بين المصالح الشخصيّة والوظيفة الرسميّة.

يعمل المشرِّعُ في قطرَ في الوقت الحالي على التأكيد على مبدأ عدم تضارُب المصالحِ من خلال إنضاج المنظومة التشريعيّة عبر عدّة قوانينَ، منها قانونُ مُكافحة تضارُب المصالح، وقانونُ تنظيمِ تداولِ المعلوماتِ، وميثاق نزاهة الموظّف العام؛ وذلك حفاظًا على المال العام، وتعزيزًا للنزاهة والشفافية والعدل. وقد أكّدَ المُشرِّعُ على ضرورة اتّخاذ اللازم عن الحالات التي قد تُفضي إلى عكس ذلك. وهذا ليس بالأمر الجديد فقد كانت القوانينُ السابقةُ مثل القانون رقْم (٢٤) لسنة ٢٠١٥ بتنظيم المناقصات والمزايدات ولوائحه المنبثقة منه، وقرار مجلس إدارة هيئة قطر للأسواق الماليّة رقْم (5) لسنة 2016، والقانون رقْم (٧) لسنة ٢٠٢١ بشأن مجلس الشورى، تؤكّدُ على ذات المبدأ. وهذا يدل على حرص المُشرِّعِ على المال العام والابتعاد عن أي تضارُب للمصالح على كافة الصُّعد.

تسبّبت هذه الآليات لتلافي تضارب المصالح ووضع آليات للتحكّم في العمليات والإجراءات الخاصة بالأجهزة الحكومية في بعض النماذج الأخرى، في خلقِ حالة من البيروقراطيّة والبطء، ومنع التصرف بالإيرادات، وعدم القدرة على استقطاب المهارات والخبرات اللازمة للإنجاز بكفاءة وفاعليّة، ما اضطر المشرِّع- وأثناء مرحلة تأسيس القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية- لإنشاء أذرع تنفيذية أو مشاركة القطاع الخاص عن طريق صناديقه السيادية أو صناديق التقاعد والمعاشات كقطاع ثالث، وهو قطاع هجين لا يمكن تصنيفه كعام أو خاص. وتلعب الصناديقُ دورَ المُستثمر النشط، وتشكل مجالس الإدارة لضمان المُواءَمة بين المصالح وإدارتها بطريقة تجارية ربحية. وفي حالة نجاح هذه الذراع تجاريًا يتم تحويلها لشركة مدرجة وبآليات حوكمة واضحة وشفّافة.

ولكن وقبل أن يتمَّ توضيح الحوكمة، قد تكون هذه الآلية والمواءمة المرجوة طريقًا لتضارب المصالح إذا لم تُدَر الإجراءات بحذرٍ، وخاصة إذا لم يكن هناك فصل بين الشركة التي تعتبر كيانًا تجاريًا قابلًا للربح والخسارة والإغلاق، إذا ما اضطر المستثمرون لذلك، وبين دور الحكومات ومن يمثّلها في التأكد من مبدأ تكافؤ الفرص وتقليل النفقات ولعب دور القيادة، والتخطيط، واقتراح التّشريعات، والتنظيم، والمراقبة والتصويب إن لزم الأمر. وقد تؤدّي بعض التصرفات أو القرارات بطرق غير مقصودة لعدم تحقيق أهداف المُشرِّع.

فقد يستغل المسؤول منصبه لإنجاح الكيان التجاري بصورة من الصور، وفي بعض الأحيان منافسة القطاع الخاص والإضرار به. على سبيل المثال، يُعطي هذا الكيان أفضلية تنافسيّة غير حقيقية أو احتكارًا غير مباشر عن طريق سنّ التشريعات، أو إصدار التعاميم المُلزمة والتعجيزية، أو أوامر التكليف المُباشرة. وقد يبدو هذا القرار صحيحًا على المدى القصير، ولكنه مُضرٌّ على المدى البعيد، وفي أعمار الحكومات والدول.

وعلى النقيض، قد ينسى المسؤول أن الأموال التي تُدار في هذه الكيانات التجارية، هي أموال عامة للجيل الحالي أو الأجيال المُستقبلية، وأنه يجب الموازنة بين الربحيّة السريعة، والمصالح الاستراتيجية وأولويات الحكومات من جهة، وبين استدامة هذه الشركات وضمان نجاحها على المدى الطّويل.

وقد يستغلُّ ممثلو الحكومات في بعض الأحيان الكيانات التجارية التي أُولوا مسؤولية إدارتها وضمان ربحيّتها واستدامتها، لنجاحهم في مهامّ أخرى لا تعني هذا الكيان التجاري أو مستثمريه بأي شكل من الأشكال. وقد يحاولون الالتفاف على النظم الإدارية في مؤسساتهم التي حدّدها المُشرِّع بقوانين منظمة، وتحقيق الأهداف الخاصة بمؤسّساتهم بطرق أخرى، ما يؤثر إيجابًا على أداء مؤسساتهم وتقييمها بشكل غير مُستدام، ويضرّ بالكيان التجاري وربحيّته.

بل وقد تتسبّب هذه الطريقة من المواءَمة في المصالح بإكساب الأشخاص صلاحيات شبه مطلقة، ما قد يتسبب في إضرار بالصالح العام، وتوفير المساواة وتكافؤ الفرص. فقد يكون لمُمثل الحكومة أدوار أخرى مع أي صاحب مصلحة أو مقدم خدمة أو منفذ مشروع، حيث يمكن أن يؤثر عليه من خلالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ما يؤثر على عملية صنع أي قرار أو التفاوض. وقد يستغلُّ المنصبَ الرسمي ليحقّق ربحية الكيان التجاري على حساب الصورة الكُبرى لاقتصاد الدولة وقطاعها الخاصّ.

وأسوة بنظرائهم في الشركات المدرجة محليًا أو حتى العالمية، ونظرًا لما قد يسبّبه تَواؤُم المصالح من تضارب المصالح، ولصعوبة محاسبة مجلس الإدارة أو استبدال الأعضاء بسبب مناصبهم الأخرى، بدأت الصناديق السيادية في دول كثيرة بإعادة تشكيل مجالس الإدارة بل وحتى الإدارات التنفيذية لضمان أن تكون عملية صنع القرار فيها تتبع المعايير العالمية لصنع القرار. فابتعدت هذه الشركات عن تعيين الوزراء والمسؤولين في مجالس الإدارة وتمَّ استقطاب كفاءات والاعتماد عليها في مجالس الإدارة بما يضمن إدارتها بطريقة ربحية مستدامة. وتم تأسيس نظام حوكمة واضح يضع المسؤولية على مجلس الإدارة ويضمن له الصلاحيات اللازمة لمحاسبة الإدارة التنفيذية بعيدًا عن الاعتبارات الأخرى. وأصبحت الصناديق الاستثمارية أدوات نموّ اقتصادية تُساهم في زيادة عددِ الشركات المدرجة في أسواق الأسهم بدلًا من كونها مركزًا للتكلفة يثقل كاهل الحكومة.

إنَّ النضج التشريعي الذي تمرُّ به الدولة والإجراءات التي يتم اتخاذها مؤخرًا مُبشّران. فقد أكَّدَ معالي الشَّيخ خالد بن خليفة بن عبدالعزيز آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الداخليّة على أنَّ «قطر دولة مؤسسات، واستراتيجيتنا في مواجهة الفساد لا تعتمد على أفراد معيّنين، ولكن عبر التشريعات والأجهزة الرقابية». والدور يقع حاليًا على أدوات الاستثمار المحلية ومؤسساتها لضمان تجنب تضارب المصالح، ومحاولة مواءَمة المصالح بعيدًا عن الأفراد، واعتمادًا على المؤسسيّة.

Twitter: @alibrahimha

Email: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X