fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. الاحتفاء باللغة الأم في العالم

اللغات هي أساس وجود المجتمعات ووسيلة التفاهم بينها وإبراز أوجه حضارتها

في 21 يناير من كل عام تحتفل دول العالم باليوم الدولي للغة الأم، الذي بدأ منذ عام 2000 لتعزيز السلام والوعي بالتنوع اللغوي والثقافي، ولحماية جميع اللغات والحفاظ عليها من الاندثار، وبدأ هذا الاحتفاء بناءً على ما أقر في المؤتمر العام لليونسكو عام 1999 تأكيدًا على أهمية التنوع الثقافي واللغوي لبناء مجتمعات مستدامة، بغية تعزيز التسامح واحترام الآخرين على اختلاف لغاتهم، وحسب تقارير اليونسكو: (يتعرض التنوع اللغوي بشكل متزايد للتهديد، مع ازدياد اندثار اللغات، وإن 40% من السكان حول العالم لا يحصلون على التعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها، ولكنْ هناك تقدم ملموس في إطار التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم، وما يقترن به من فهم متزايد، لما يمثله من أهمية، ولا سيما في المراحل المبكرة من التعليم، فضلًا عن تزايد الالتزام بتطويره في الحياة العامة).

فاللغات هي أساس وجود المجتمعات، ووسيلة التفاهم بينها، وإبراز أوجه حضارتها، وهي الميزة التي يختص بها الإنسان عن بقية المخلوقات، وانتشار هذه اللغات يعتمد أساسًا على عدد المتكلمين بها باعتبارها لغتهم الأم، وهي تكتسب شعبيتها من أبنائها، وتستمد قوتها من مكانة دولها، لذلك تحتل اللغة الإنجليزية المركز الأول بين لغات العالم اعتمادًا على قوة الدول التي تتخذ منها اللغة الأم، في تعاطيها مع الدول والشركات الكبرى، تليها لغة الماندرين الصينية ثم الهندية، وتليها العربية التي اعتمدت عام 1974 لغة رسمية في الأمم المتحدة، وكما أشرنا يعتمد انتشار اللغة -أي لغة- على دور دولها الاقتصادي، وتأثيرها على التجارة العالمية وقدرتها على التواصل بين الشعوب، وفاعليتها المحورية من الترجمة إليها، ليتم بعد ذلك الترجمة منها، أي إنها وسيط ينقل من اللغات القوية إلى اللغات الأقوى، كل ما يتعلق بحضارات الشعوب وثقافاتها المتنوعة.

وما من لغة إلا وأسهمت بنصيبها في الحضارة الإنسانية، وتركت بصماتها على مسيرة التقدم البشري، أو اندثرت لأي سبب من الأسباب، ولكن بقيت آثارها فيما ترجم عنها إلى اللغات الأخرى، وكثيرة هي اللغات التي ماتت ولم تمُت مآثرها وآثارها في التاريخ القديم، بعد أن تيسر لها من المهتمين من يعكف على البحث عن تلك المآثر والآثار.

الاحتفاء باللغة الأم لا يتعارض مع الاحتفاء بأي لغة محلية من قبل أصحابها، سواء عن طريق تحديد يوم أو أسبوع سنويًا، لإبراز محاسنها ومواطن قوتها، بل إن الاحتفاء باللغات الوطنية للدول يشكل رصيدًا معرفيًا، ودعمًا قويًا لليوم العالمي للاحتفاء باللغة الأم، لأنه يأتي في السياق نفسه، الهادف للمحافظة على كل لغة بشكل فردي على المستوى الوطني، أو جماعي على المستوى الأممي.

من لم يهتم بلغته الأم، كأنما هو يتنكر لها، بينما اللغة هي محل اعتزاز أبنائها، يفتخرون بها مثل افتخارهم بأي شيء عزيز على قلوبهم، بل أكثر من ذلك باعتبار اللغة هي الرمز الحقيقي لوجودهم، والعلامة الفارقة في تاريخهم، وممن اعتزوا بلغتهم الأم الشاعر وديع عقل الذي تغنى باللغة العربية بأجمل ما يمكن أن يقال عن هذه اللغة الخالدة حين قال:

لا تقل عن لغتي أم اللغات

إنها تبرأ من تلك البنات

لغتي أكرم أمٍّ لم تلد

لذويها العرب غير المكرمات

إن يومًا تجرح الضاد به

هو والله لكم يوم الممات

وما أكثر ما كتب عن اللغة العربية ومحاسنها التي لا تُعد ولا تُحصى، وهي الجديرة بأن يكون لها من التكريم ما يفوق تكريم كل اللغات في العالم. فليكن في الحادي والعشرين من يناير الحالي عهد من الإخلاص والوفاء لا يُنقض، بيننا وبين لغتنا الأم، وليس منا من ينكر للعربية فضلها الذي لا يُعد، وعِزّها الذي لا يحصى.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X