fbpx
كتاب الراية

خواطر مسافرة … اليمن المغدور بأهله

هذا ما ينبغي على كل الأطراف التفكير فيه بجدية لتقريب السلام

عندما تضع الحرب أوزارها في اليمن، وحين تذرو الرياح رمادها وينقشع غبارها، حينها سيتجلى المشهد على حجم الكارثة التي خلفتها الحرب على اليمن، الأرض والإنسان، اليمن الذي كان شماله يعيش في قرون العصور الوسطى حتى مطلع ستينيات القرن الماضي، وجنوبه يرزح تحت الاستعمار البريطاني وحكم السلطات المتناثرة على ربوعه لأكثر من مئة وثلاثين عامًا، ذلك اليمن بشماله وجنوبه واجه تحديات كبيرة من أجل الولوج إلى رحاب العصر الحديث والدفع بعجلة البناء والتنمية والاستقرار، وبعد تحقيق الوحدة بين الشطرين في منتصف العام ٩٠ من القرن الماضي لم تتحقق كل تطلعات اليمنيين، في دولة ديمقراطية تضمن العدالة والمساواة وتوزيع الثروة والسلطة بين كل أبناء الشعب شماله وجنوبه نتيجة للصراعات بين النُخب وعجز الأحزاب والنخب السياسية لجهة صياغة مشروع وطني يُخرج البلد من أزماته ويجنبه صراعات جديدة قد تؤدّي إلى انهيار الدولة وإلى خطر التقسيم والتفتت.

وبعد ما يربو على سبع سنوات من الاحتراب الداخلي والتجاذبات والمصالح الإقليمية في هذه الحرب تتزايد الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب، وإحلال السلام في اليمن عبر الحوار بين المتحاربين وبتفاهمات مُلحة بين داعميهم الإقليميين، غير أنه، حتى الآن تصطدم كل محاولات ودعوات السلام بعدم استعداد أي طرف لتقديم تنازلات لتقريب وجهات النظر وتسهيل دور الوسطاء والمبعوثين الدوليين في عقد مفاوضات (يمنية- يمنية) لإنهاء هذه الحرب الكارثية على اليمن والمنطقة والإقليم.

ومنذ ما حدث في الربيع العربي باليمن مرورًا بصراعات ما بعده ثم اندلاع الحرب انهارت مقومات الدولة الوطنية وفقد اليمنيون الأمل في استعادة وطنهم الذي تلتهم الحرب مقدراته وموارده، وتستنزف خيرة شبابه ورجاله، وتدمر منجزاته وتحوله إلى مقبرة وأزقة مآتم وهلع وخوف، ومخيمات نزوح وطوابير الحصول على المساعدات الدولية، ومحطات الوقود والغاز.

حرب اليمن دمرت منظومة التعليم وأدت إلى انهيار العملة الوطنية والمنظومة المصرفية وتوقفت عجلة التنمية، وزادت نسبة الفقر والبطالة إلى نسب غير مسبوقة منذ خمسين عامًا، وفقد النظام الصحي غالبية إمكاناته، وما نسبته ٧٠ في المئة من الموظفين والمتقاعدين توقف صرف رواتبهم منذ سنوات، وتحللت مؤسسات الدولة، وعمّ الفساد والمحسوبية، وفقد المواطن ثقته بكل القائمين على شؤونه وافتقد إلى الخدمات الضرورية مثل الكهرباء ومياه الشرب، وإلى حقوقه في حرية التنقل والسفر والعيش الكريم، ثم فقد الأمل في مستقبل مستقر وآمن له ولأولاده وأحفاده خاصة أن الحرب مستمرة، ولا يلوح في الأفق سلام قريب، بالإضافة إلى تعثر التفاهمات بين الداعمين الإقليميين لأطراف الحرب.

للأسف هناك من يعتقد أن اليمن لقمة يسهل ابتلاعها ولم يتعلم من دروس التاريخ أن اليمن لكل اليمنيين ولم ولن يكون يومًا ملكًا لأي جماعة أو حزب أو قبيلة، هذا الاعتقاد الخطأ يزيد من تعقيد الأزمة الراهنة والحؤول دون تحقيق سلام قريب، ذلك أن الشعب اليمني لم ولن يقبل بنظام حكم لا يعبر عن إرادته الجمعية لجهة إدارة شؤون وطنه وفق عقد اجتماعي يجمع عليه كل الشركاء في الوطن وهذا ما ينبغي على كل الأطراف التفكير فيه بجدية لتقريب السلام، ومن ثم التسليم به للمضي باليمن إلى شاطئ الأمان حين تضع الحرب أوزارها ويعود اليمن الذي افتقدناه، ولا يبقى مغدورًا بأهله.

صحفي وكاتب يمني

[email protected]

@fmukaram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X