fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة …النية الصافية والقلب السليم

إلى أي حدّ يمكن لشكليات القول والفعل أن تخفي حقيقة النيات؟

شكليًا لدينا هامش لا حدود له من حرية اختيار ما نريد أن نظهر به أمام الآخرين سواء في الملبس، أو في لطافة الكلام أو في لباقة التصرّف، وتتسع هذه الحرية لتشمل الحرية في أن يختلف تعاطينا بين شخص وآخر اعتمادًا على ما هو مُختزن لدينا من انطباعات سابقة ومواقف شكلت المرجعية التي منها نستمد كيف يجب أن نكون مع هذا وذاك. هذه الحرية التي تتجسّد في الشكل وفي الأداء تحدثًا وتصرفًا، هي ليست بعنصر مستقل وخارجي عما في داخلنا، إنها كمياه الجدول إنما تجري في مجراها بالهيكلية التي تظهر بها اعتمادًا على منابع رئيسية منها تستمد روحها، وهذه المنابع الداخلية هي درجة الصفاء في النية وحجم السلامة في القلب. إننا في كل يوم في دائرة التفاعل إما المباشر أو غير المباشر مع أخبار الآخرين، أحوالهم، وأوضاعهم، ما قد يظهر لديهم من مكتسبات وما قد يعانونه من خسارات، ما يعايشونه من معاناة وما يعيشونه من أفراح وغيرها من أحوال وأوضاع لا تُعدّ ولا تُحصى نطلع عليها في سياق يومياتنا سواء عن قصد أو عن غير قصد.

هذا الاطلاع لا يكون عادةً دون أثر، حتى لو كان هذا الأثر مجرد فكرة أو انطباع أو تصوّر، وقد يتسع عند البعض ليصل إلى التأثير النفسي إما إيجابًا، بحيث تجده يفرح لفرح الآخرين ويحزن لأحزانهم، أو سلبًا فيضيق صدره حسدًا ويمتلأ قلبه غيظًا أمام ما قد يتمتع به الآخرون من أشكال النِعم ويبتهج سعادة وفرحًا على مآسيهم وإخفاقاتهم.

إنه المنبع ذاته عند كلا الصنفين من البشر، النية والقلب، أولهما صفت نيته وسلم قلبه تجاه الغير، والآخر كان صفاء النية لديه معكرًا بالحسد، وكان قلبه معتلًا بالغل، وما يفرق بين الاثنين، أن المؤمن بالله عزّ وجلّ إيمانًا يقينيًا في حكمته سبحانه وتعالى فيما حرمه منه ومنعه عنه، لن يجد السوء إلى نيته طريقًا ببساطة لأنه قد ارتقى في تفكيره إلى الحقيقة الخالصة في رد الأمر بالعطاء والمنع إلى الله سبحانه وتعالى، فكان الصفاء هو الميدان الذي يتحرّك فيه فكره، وصفاء الفكر لا يمكن أن يولّد إلا النية الصافية التي لا ترتضي لغيرها إلا الخير، ويولّد نفسًا مُحبة تختلج فيها مشاعر سليمة خالية من أي حقد أو حسد لأنها نابعة من قلب سليم خلا من كل سوء. إن الإناء لا يمكن أن ينضح إلا بما فيه، وقيمة كل عمل لا تُقاس إلا بميزان النية، لذا فإن كل ما يصدر عن المرء مهما حاول تجميله أو العمل على شكليته لا بد وأن يكتسي من حلة نيته وقلبه قدرًا إن لم يظهر في الحال فسوف تظهره الأيام عاجلًا أم آجلًا.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X