fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. رحلة إلى النفس

الطرق الأنسب للتخلص من الأمراض النفسية المتزايدة

إنَّ فهمَ النّفس والتوغلَ في أعماقِها، وفهمها في سكناتها وحركاتها، آلامها وآمالها، ومعرفة أسباب ضعفها في مراحل الضّعف، ومرضها في كبوات السقم والمرض، والتعرف على الطرق الأنسب التي يمكن أن نسلكها للتخلص من جملة الأمراض النفسية المتزايدة في عصرنا الحالي، يعدّ ذلك سبيلًا من أجل الوصول إلى الفهم الكامل للنفس البشرية. هذا الفهم الذي يتساءل حوله ابن القيم رحمه الله: «هل النفس والروح شيء واحد، أم هما شيئان متغايران؟»، فلتتأمل معي عزيزي القارئ هذا السؤال، ليس للجواب، لأن الجواب طبعًا لا نعلمه ولن نعلمه، فالروح من أمر ربي، ولكن لنفهم ذواتنا أفراحها وأحزانها. فكما يقول جبران خليل جبران:

وما الحياةُ سوى نومٍ تراوده

أحلام من بمرادِ النفس يأتمرُ

والسرُّ في النفس حزن النفس يسترهُ

فإِن تولَّى فبالأفراحِ يستترُ

إن أهم مهارة على الإنسان إتقانها للشعور بالأمان النفسي، هي تدريب النفس على الموازنة بين الحَيَوَات المختلفة والمتنوعة والمكملة لبعضها. وإن شعور الإنسان المستمر بالقلق والتوتر سببه انشغاله بأمور الدنيا، ما يتسبب في تلفه الجسدي والنفسي وعدم فهمه طبيعة النفس البشرية التي خلقها الله تعالى. هذه النفس التي خلقها الله في ثلاث صفات: المطمئنة، والأمّارة بالسوء، واللوامة. فأما المطمئنة فقد وردت في قوله تعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة»، والأمّارة بالسوء ففي قوله تعالى: «وما أبرئ نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي غفور رحيم»، أما النفس اللوامة في قوله تعالى: «لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوّامة». والمطلوب منا أن نبحث عما يجعل أنفسنا مطمئنة ونبتعد عن أن تأمرنا أنفسنا بالسوء، أو تجعلنا نعيش في لوم وشقاء لا نهاية لهما.

إننا في هذه الحياة نحاول أن نتغاضى عن هذا الجوهر وهذه الحقيقة، وأن نعيش ناسين أو متناسين أنه رغم أنوفنا.. رغم ألقابنا ومناصبنا.. رغم ما نملك وما نحاول أن نملك.. رغم كل شيء لسنا سوى عبيد!

نعم عبيد أربعة أحرف. لا مفرّ من هذه الحقيقة مهما حاولت الفرار، مهما حاولت تجاهلها، فأنت لست سوى «عبد» بغض النظر عن كل النظريات التي في رأسك، وكل التبريرات التي تحاول وضعها، ورغم كل قيم الجمال وعبارات الاستقلالية والحرية التي ننمقها متجاهلين الحقيقة السرمدية الدائمة بكوننا عبيد. نعم عبيد لله عزّ وجلّ.

والتوغل في هذه العبودية هو نفسه التوغل في الذات، والوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه، هنا تحقق في أعماق نفسك وعبوديتك لله عز وجل، هي التحقيق الأكمل لذاتك العليا، «واسجد واقترب» تلك هي، بكلمتين اثنتين، خريطة الطريق للوصول إلى الذات.

سجودك له- عز وجل- هو مفتاح اقترابك من نفسك، من ذاتك. ووصولك إلى ذاتك سيكون خطوة حاسمةً في اقترابك منه عز وجل.

اسجد لتقترب إلى ذاتك، وكلما اقتربت من ذاتك.. من حقيقتك كعبد، ازددت تقربًا من الله خالقِنا، العالِم بما في الصدور.

هي إذن ثنائية لا تكتمل الحياة بدونها: العبادة وسيلة للتوغل في النفس، والتوغل في النفس سبيل للقرب من الله. والقرب من الله تعالى سبيل العيش في سعادة وراحة نفسية لا مثيل لها.

 

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X