fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. روعة الحياة في «قمة العطاء»

الأشخاص ذوو العطاء تختلف وظائف أجزاء من أدمغتهم عن البخلاء

الإحساسُ بالعطاءِ من أجمل وأحسن الطرق التي تؤدّي للسلام النفسي، فمن خلال البذل والتضحية تستريح النفس ويرتاح البال ويهدأ القلب، فعلى كل إنسان، أن يترك أثرًا طيبًا في حياته قبل أن يرحل عنها، وأن يعيش للحياة، ويُعطيها أكثر مما يأخذ منها، مع العلم بأن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، ولكن ما يمكن أن تدركه بأعمالك وأفعالك وسجاياك ومعاملاتك مع الآخرين، هو أن تترك فيهم أثرًا طيبًا، يبقى من بعدك، ويكون لك إرثًا ممتدًا عبر الأزمان، حيث إن الأيام صحائف الأعمال التي سنقابل ربنا بها، لذلك علينا تخليدها بأحسن الأحوال، وليس العطاء قيمة من القيم العادية، بل هو من القيم التي تُعطي لحياة الإنسان قيمة وأهمية، ولو كانت هذه الجائحة تَتَحَدَّث لما اشتكت إلا من العطاء، وأنها كانت سببًا في التكافل بين الناس والتضامن بينهم، فلم يُخْلَق هذا الإنسان ليعيش وحده مُتَنعِّمًا مُتَرفِّهًا مُفْرطًا في الاستهلاك، مُشْبِعًا أنانيته، مرضيًا نهمه، دون أن يشارك مع غيره تلك النعم التي مَنَحها الله له.

وللعطاء أنواع متعدّدة وليس مقصورًا على العطاء المادي فحسب، باعتبار أن هناك العطاء النفسي الذي يبعث الطاقة الإيجابيّة للآخرين، كالابتسامة في وجه الناس ومعاملتهم بالحسنى، وهو ما قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابتسامتك في وجه أخيك صدقة»، وتعدّ النصيحة والكلمة الطيبة والمشاركة في الواجبات الاجتماعيّة كالفرح أو الحزن أو مساعدة الآخرين أيضًا عطاءً، وكذلك الإخلاص والتفاني في العمل لخدمة الوطن عطاء، كما تعدّ التضحية قمة العطاء وسمة أساسية من سماته، بل هي أسمى أنواعه لأنه عطاء للمجتمع كله، كالجنود الذين يضحون بأنفسهم وحياتهم واستقرار أسرهم وأبنائهم من أجل حماية أمن أوطانهم، لهذا منحهم الله التكريم والدرجات العُليا، وإنهم أصحاب الأعين التي لا تمسّها النار التي باتت تحرس في سبيل الله، فالعطاء للوطن هو الأسمى والأعلى والأحق بكل معاني الحب والإخلاص، الحب الذي يجعل الإنسان يهبّ للدفاع عن وطنه وهو يتقدّم الصفوف الأماميّة.

وبحسب معظم الدراسات، فإن العطاء أقوى وسيلة لإسعاد الذات، حينما تصبح احتياجات الناس أمامك وتحلها بالعطاء، وفي هذه الآلية، فإن الإنسان يجد ذاته، ويتمتع بطعم الحياة وأهدافها، ناهيك عن أنها ترفع الهم والكرب عن الآخرين، وتزيل عنهم الشعور بالحزن والحسرة وتحديات الحياة، وقد أثبتت الأبحاث أن الأشخاص ذوي العطاء تختلف وظائف أجزاء من أدمغتهم عن البخلاء، ذلك أن الأشخاص الذين يعطون تتأصّل لديهم هذه الممارسة في عقليتهم ونظرتهم إلى العالم والآخرين، وليست فقط مجرد ممارسة سلوكيّة مجردة من الإحساسات النفسية والروحانية، أي أن هناك اختلافًا في المفاهيم والنظرة الوجوديّة للإنسان والعالم والحياة.

أما بالنسبة للتغيرات الهرمونيّة الدماغيّة في عملية العطاء، فوجد العالمان في علم الأعصاب جيوردن جرامفان وجورج مال، أن العطاء يستحث جزأين مهمين من الدماغ في المركز العاطفي ما يعرف بـ «ميزولمبيك وسيبلونغيوال»، اللذين يؤدّيان وظيفة التعزيز السلوكي، أي إعادة وتكرار السلوك نفسه بعد الشعور بالنشوة والفرح، واستحثاث المنطقة الدماغيّة المسؤولة عن الانتماء الاجتماعي والشعور بالروابط الاجتماعية العاطفية الدافئة والحميمية، وأن العطاء لا يعمل على تثبيط الأنانية فقط، بل يؤدّي إلى الشعور بالغبطة والسعادة.

ولا تنحصر نتائج العطاء على المحتاجين بل على المُعطين أيضًا، فالعطاء هو السلوك المتميّز بالإيثار والشعور بالانتماء الإنساني والخلقي التلقائي الموجّه لشخص أو مجموعة من الناس بدون قيود أو شروط سابقة أو لاحقة، ويخلو من انتظار أي ردود فعل.

والله ولي التوفيق،،،

 

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X