fbpx
كتاب الراية

خواطر.. واسعوا في مناكبها

تغدو الأوطان منافي حين يصبح أسهل ما فيها الموت.. وأصعب ما فيها الحياة

أينما سافرت في عالمِنا الواسع، تجد كافة الجنسيات في كل مكان، ومع الوقت ستدرك أن ليس كل مُغترب مهاجرًا، وليس كل مُهاجر أو مُقيم لاجئًا، لكنه قد يصبح كذلك إن دُمّرت بلاده على حين غرّة. الناس لا يخرجون من بلادهم بسبب الحروب والتهجير فقط، فلكلٍ منهم أسبابه وتطلعاته، كثيرون خرجوا بشكل مؤقت في سبيل السياحة وكسر الرتابة والعلم والعمل، واضطرت الظروف أغلبهم للدراسة والعمل في آن واحد، ثم طال الغياب فتم الزواج والإنجاب وهم بعيدون عن ديارهم، ومضى بهم العمر، حتى أصبح البقاء في البعد مُستقرًّا، ولم يعد سَفرًا أو غربة، فالتعوّد يفرض نفسه يومًا بعد يوم، خاصة في ظل تعلق الأبناء برفاق الطفولة ومقاعد الدراسة، والحياة بكامل تفاصيلها، فالنشأة الأولى كحاضنة البذور، كلما ارتوت بحُسن العِشرة والمحبة، أنتجت جذورًا متشابكة وأغصانًا متكاتفة وانتماءً بديهي الطلع.

لكن التغيير سنة الحياة الثابتة، فالظروف تتغيّر رغمًا عنّا، وبالتالي تتغير المُخططات والأهداف، لا من باب التراجع، ولا من قبيل الطمع في المزيد، لكنه الشعور بالانتماء لمجتمع بعينه والتأقلم مع بيئته بكل جوانبها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا خطط طبيب ما، وبغض النظر عن جنسيته ودينه وبلده، للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على شهادة البورد الأمريكي وسنوات خبرة تمنحه مكانة أفضل في مستشفيات بلاده، فهذا لا يعني أنه هاجر، كما لا يُحتّم أنّه سيعود، وله أسبابه وأعذاره، فهو كلما حاز شهادة واقترب من قرار العودة، وجد أحد أبنائه في مرحلة من العمر والدراسة تُعيق انتقاله، وقد لا يستطيع والداه تدبّره كي يتأقلم.

من المعروف أن العاملين في السلك الدبلوماسي كالسفراء، ينتقلون من بلد لآخر كل أربعة أعوام، لذا كانوا مُضطرين لتعليم أبنائهم في المدارس الدولية الأجنبية، بهدف تيسير مسيرتهم التعليميّة خلال تنقلهم، لكنهم عانوا كثيرًا، من حيث فراق الأصدقاء وتكوين غيرهم، أيضًا التأقلم مع مجتمعات غريبة عنهم بكافة المقاييس، مع الالتزام بالبروتوكول المفروض على ذويهم.

يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»، وفي ذلك بيان واضح بأن جميع خلقه من أصل واحد سواسية خُلقوا ليجتمعوا على عبادته، ونَشَرَهم في الأرض ليتعارفوا ويتعاونوا على مرضاته، وأكرمهم وأعلاهم شأنًا عند الله هو أطوعهم وأتقاهم له، ولو اعتبرنا أن العمل عبادة، فالإخلاص في العمل واجب، وفيه اكتفاء ذاتي وصلاح للمُجتمع. إنّ سُنن الرُسل وقصصهم والفتوحات الإسلاميّة، هي الأكثر بلاغة في توضيح الهجرات المتوالية والتنقل ولو مؤقتًا لأسباب مختلفة، فعلى مر التاريخ عانى العالم من حروبٍ كان بعضها بهدف التمدد والسلطة، أو لأسباب دينية، وعرقية، وطائفية، وسياسيّة. ويبدو أن الأمل في إحلال السلام الدائم في العالم شبه مستحيل، فمخططات الجغرافيا السياسية والديموغرافية تقود مسيرة مجهولة بالنسبة لنا، لكن نتائجها تتجلّى في زيادة الفقر والبطالة واللاجئين، مع ملاحظة أن أبواب الهجرة مفتوحة في بعض دول الغرب المتقدمة، والمستفيدة من المهاجرين.

كل من زار أمريكا وكندا وأوروبا وبريطانيا وغيرها، شاهد كثرة المواطنين غير الأصليين، بعضهم مضى على هجرة أجدادهم أكثر من قرن أو اثنين، ومنهم من وصلها مؤخرًا والكل يسعى في مناكبها.

ولكن من هم السكان الأصليون؟ في وقت كان العالم بلا حدود ولا تصاريح سفر، فاختلطت الشعوب وتصاهرت وأصبحت نتاجًا جديدًا، ولو فحص كل إنسان حمضه النووي، لوجد فيه من كل قُطْرٍ قطرة.

فلنتفكر في قوله تعالى: «هو الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولًا فامشوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رزقه وَإِلَيْهِ النشور»، تغدو الأوطان منافي حين يصبح أسهل ما فيها الموت وأصعب ما فيها الحياة، ويبقى التنقل من أجل العلم والعمل، من وسائل الحياة، لا مجرد هدف، «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها»، تلك آيات الله.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X