fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك … فنّ القراءة

القراءة لا تكون إلا عن تأمّل وتدبّر.. ولا تهب صاحبها الحكمة إلا إذا سبقها فعل التأمل

القراءة فنّ، فنّ مُكتَسب، لقد قالوا عن الشّعر الذي يتنزّل به وحيُ الشّعور: إنّه صَنعة؛ أفلا تكون القراءة حِرفةً يُمكن اكتسابها، وتغذيتُها!! القراءة كالرّياضة تحتاج إلى لياقة حتّى تُثمر وتؤتي أكُلَها… حين تركض مئة متر ربّما تلهثُ في البداية، تُفكّر بألاّ تعود إلى الرّكض مرّة أخرى، تُقسم أنّ المسافة طويلة، وأنّ طاقتك لا تحتمل… والقراءة حالةٌ مُشابهة، تُمسك الكتاب بين يديك، ربّما ترميه خلف ظهرك بعد ربع ساعة، تقول: أشعر بالنّعاس كلّما قرأت، لا أفهم شيئًا. لا أدري لماذا يُتعب النّاس أنفسهم بالقراءة؟! هذا هو شعور الّذي لا يملك اللياقة في القراءة. الصّبر حلٌّ لأولئك الّذين يستعجلون النّتائج، لا يُمكن أن تقطف الثمرة حال غَرْس البذرة. الّذين يشعرون بالملل من أوّل كتابٍ قرؤوه عليهم أن يُقاوموا هذا الملل بالتّصميم على المتابعة، وحينَ يُكره الإنسان نفسه على ما لا تشتهي في البداية ستأتيه هذه النّفس -في النّهاية- بما يشتهي، وليعلم القارئ، أنّ الفكرة -كما يقولون- ثمرةُ إدامة النّظر؛ فعلى القارئ أن يُديم النّظر فيما يقرأ حتّى يحوز الفكرة الّتي لها من المُتعة ما يفوق المُتع الحسيّة مجتمعةً.

والقراءة لا تكون إلّا عن تأمّلٍ وتدبّر، ولا تهبُ صاحِبَها الحكمة إلّا إذا سبقَها فِعلُ التّأمّل هذا، وأمر الخلوة تلك، فإنّ نبيّنا الخاتَم ما نزلتْ عليه: (اقرأ)، إلّا بعدَ أنْ أخذَ من التفكّر في خلق السّماواتِ والأرضِ حَظّه، ومن التّأمّل في حال الكون قِطّه، ومن التّدبّر في آيات الله المبثوثة في كلّ شيءٍ نصيبَه، فجاءتْ (اقرأ) لتكون نهايةً لذلك لا بِدايةً لها، ونتيجةً لا سببًا، فالقراءة توقيعُ ما اعتمل في الذّهن، وما أُعمِل في الفِكر، وهي ذروة انقِطاع المرء لنفسِه ليرى ما يكون من أمره وأمرِ غده. وهي جائزة العِلم الإلهيّ، لا يُعطيها الله إلّا لمن بدأ الخُطوة الأولى وهي التّبتل في محراب التّفكّر، إنّها إلى ذلك جائزة اليقين بعدَ الشّك: «قد نرى تقلّب وجهكَ في السّماء» وهديّة الثّبات بعد الحيرة: «ولولا أنْ ثبّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إليهمْ». وأُعطِية الهُدى عن ضَلال: «وَوَجَدَك ضالًّا فهدى» وما هذا اليقين، ولا ذلك الثّبات والهُدى إلاّ آخر منازل (اقرأ) وتجلّياتها.

والقراءة إجابة سُؤال الوجود، إنّ في الوجود أسئلةً كُبرى تظلّ معلّقة كأنّها على قنّ جِنّ، لا يُنزلها من عَليائها غير القراءة. القراءة إجابة ما لا يستطيع العقل الإجابة عنه، فللرّوح حاجاتُها وأسئلتُها كذلك، وحينَ يعجز العقل تتقدّم الرّوح، وحينَ تأتيكَ اقرأ سماويّة عُلويّة تجدُ فيها الرّوح إجابتَها.

هناك مَنْ يقرأ من أجل المتعة، فالقراءة بهذا وسيلته للاستمتاع، وهناك من يقرأ من أجل أن ينمّي عقله وفكره وقدراته، ويرتقي بها، في رأيي أنّ الأمرين مطلوبان معًا، نقرأ لنستمتع ولكي نصل إلى ما نريد.

عُزوفُ الشّباب اليوم عن القراءة كان يُقابله عزوفٌ أشدّ من جيل العَقدين السّابقَين؛ التّسعينيّات وبداية القرن الجديد، أرى أنّ هذا الجيل انجذب إلى القراءة -وإن بدرجات بسيطة ومتفاوتة- أكثر من سواه. لكنْ فيما لو أردْنا أن نشير إلى بعض الأسباب الّتي جعلتِ القراءةَ عاملًا طاردًا للشباب لا جاذبًا لهم، فأهمّها: الثقافة الاجتماعيّة الّتي ليس في قاموسها فكرة: أنّ القراءة مثل الخبز والماء لا يُمكن الاستغناء عنها؛ هذه الفكرة أشدّ وضوحًا وتطبيقًا في الغرب، إنّها إذًا ثقافة مجتمع، نحن نحمل -بالأعمّ الأغلب- ثقافة مُغايرة، ثقافة: وماذا سأستفيدُ لو فتحتُ كتابًا؟!

حينَ تصبح ثقافة تنشئة النّشء والجيل على القراءة مثل تنشئتهم على الطّعام والشّراب، عندها سنصبح قادة؛ ومِمّا لا شكّ فيه، أنّ القادة هم القُرّاء؛ اقرأ تكنْ قائدًا؛ فالقراءة مصباح الدّجى، ومنارة الطّريق، وهادية الظّلمات!!

الأردنّ

[email protected]

AymanOtoom@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X