fbpx
كتاب الراية

نقطة ومن أول السطر.. قرار إداري تاريخي

انتهى ذلك المشهد التاريخي بانتصار كبير للتخصصية واحترام الخبرة

(عمر بن الخطاب) كان دقيقًا في المُراقبة، يرصد كل شاردة وواردة لـ (موظفيه)، شديد الحرص على حسن أدائهم مهام وظائفهم، حينما ذهب إلى الشام حمل معه تقارير دقيقة تلقاها في مقرّ عمله في عاصمته المدينة عما يقوم به الوالي (معاوية بن أبي سفيان) من إحاطة نفسه بالمواكب والحرس وحياة الملوك، وهو خلاف لأسلوب العمل البسيط الذي يتبعه ويحرص على أن يكون فلسفة العمل في جميع أنحاء الدولة، سأل عامله (معاوية) عن هذا الأمر، وهو مستنكر فقال له:

يا أمير المومنين أنا في بلد لا نمتنع فيها من جواسيس العدو ولابد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت.

أجاب الخليفة عمر: لئن كان الذي تقوله حقًا فإنه رأي أريب، وإن كان باطلًا خدعة أديب، ما أمرك به ولا أنهاك عنه.

هذه المحادثة دائمًا نشاهدها في عملنا الإداري، ما يطلق عليه بـ «الاختصاص»، الخليفة عمر يملك السلطة ومخول وَفق القانون باتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا، ولكن لا يملك الخبرة الكافية لمعرفة أثره وتبعاته، والوالي معاوية خرج من هذا المأزق باستناده إلى اختصاصه وبأسلوب «رمي الكرة بكل هدوء في ملعب المدير»، ولم يحاول أبدًا تبني وجهة نظره أو الدفاع عنها، بل وضع المسألة بكل تفاصيلها ومبرراتها حسب «خبرته» لدى رئيسه في العمل، للعلم في ثنايا ذلك الشرح يوجد «قرار» مرره بطريقة ذكية لم يبقَ له سوى التوقيع لينال النفاذ القانوني الكامل، وبعد نهاية حديثه، قال بكل هدوء وثقة لمديره في العمل بلهجتنا الدارجة: الأمر لك بلي تشوفه حفظك الله.

انتهى ذلك المشهد التاريخي بانتصار كبير للتخصصية واحترام الخبرة، ولا يفوتنا الإشادة والتقدير لـ «السلطة التنفيذية» التي اعترفت بذلك ولم تغامر بتغليب النفوذ والأدوات القانونية التي تمتلكها على حساب المصلحة العامة، الجميل أنّ الخليفة كان مقتنعًا بخطأ الفعل من خلال التقارير التي وردت إليه، وتلاشت قناعته أو لنقل ذهبت لمسار آخر حين سمع وجهة النظر من صاحب الشأن نفسه والذي وضع مبررات غابت عن الناقل، وهو الطرف الثالث في المعادلة، وبالتأكيد لا يمتلك كل الحيثيات وينقل مشاهدته من خلال زاوية نظره والتي عادة ما تكون محدودة.

نشاهد ذلك في عملنا الإداري بكثرة في شكل جملة (يحال لجهة الاختصاص)، أو (فلان يرجى الإفادة)، هي جمل رائعة إن كان الهدف منها معرفة الرأي الدقيق من جهة الاختصاص ليتم اتّخاذ الأمر المناسب لمصلحة العمل، ولكن للأسف أفسدَ المعنَى كثيرًا- بسبب أنها أصبحت أحيانًا كثيرة في عملنا الإداري- جزءٌ من التسويف أو الهروب من اتّخاذ القرار، عمومًا «التخصصية» ما دخلت أمرًا إلا زانته.

Twitter:khalifa624

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X