fbpx
كتاب الراية

خواطر مسافرة.. هموم العصر وذكريات الزمن الجميل !!

أربعة أيام من انقطاع النت أعادت إلينا ذكريات الزمن الجميل

– حين يصبح العصر أكثر ازدحامًا عن سابقيه من أزمنة اتسمت ببساطة العيش وسهولة ومحدودية الاحتياجات والالتزامات التي هي في عصرنا الراهن باتت عبئًا كبيرًا على كاهل الإنسان والمُجتمع، وهي التزامات مضاعفة عشرات المرات بالنسبة للدول، والأمم والمصالح والعلاقات العابرة للقارات عما كانت عليه في العقد الأوّل من الألفية الجديدة على سبيل المثال والقياس.

– ومع حلول العقد الثالث من الألفية الجديدة يتأكّد لنا يومًا بعد يومٍ أنَّ الإنسان أصبح في حالةٍ مُواكبة دائمة لكل ما تحمله تكنولوجيا العصر ومأسورًا لها ومنجذبًا إليها في كل مجالات الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة والعلميّة… إلخ، وقبل أن نودع يومنا ينبئُنا بما يحمله الغد من جديد العصر سواء في قطاع الاتصالات، والتواصل بين كافة البشر من كل الأمم والأديان والثقافات وبما يؤكد أن العالم أصبح قرية واحدة. وكل الثقافات والأنشطة وتنوع الفكر والإبداع مسائل مفتوحة ومتاحة للجميع دون حواجز ولا محاذير تحول دون تنقلها وتنوّعها وتعدّدها.

– في الأسبوع الماضي تعرضت خدمة الإنترنت في اليمن لانقطاع كلي بسبب الظروف الراهنة التي يعيشها البلد واستمر الانقطاع أربعة أيام بالتمام والكمال، ونتيجة لهذا الانقطاع -الذي يمكن أن يحدث في أي بلد وفي أحسن الأحوال- ينتابك وأنت تنظر في وجوه الناس بمختلف أعمارهم رجالًا ونساءً وأطفالًا شعور بأن حالة من الحزن الشديد تعم الجميع وأن حالة من الكآبة والملل باتت مثل وباء أصيب به كل الناس رجالًا ونساءً كبارًا وصغارًا.

– أربعة أيام من انقطاع النت أعادت إلينا ذكريات الزمن الجميل، زمن كنا ننام فيه مبكرًا ونستيقظ قبل شروق الشمس ليذهب كل إلى مقصده وواجباته اليومية، حيث لا تشعر بأنك مثقل بهموم العالم ومشاكله وصراعاته وأفراحه وأتراحه، زمن لا تصادر فيه التكنولوجيا أبسط المشاعر الإنسانية والتقاليد الاجتماعية والطقوس اليومية التي اعتاد الناس عليها، ففي زمن جميل غير بعيد كنا إن التقينا مع بعض جيراننا مرة كل شهر يطيب اللقاء ويطيب الحديث ويحلو السمر، وحين كنا نودع مسافرًا بلقاء يجعله يشعر بمكانته الغالية عند أقاربه وجيرانه وأصدقائه، وبذات الحفاوة والشوق يكون اللقاء بعد عودته.

– وعلى بساطتها كانت مناسبات الأفراح مليئة بالحب والود، وعلاقة الجيران يغلب عليها الإيثار والاحترام؛ لأن الجميع يعرفون بعضهم بعضًا، ويلتقون مع بعضهم، ويشتاقون لبعضهم بعضًا، أما وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي البديل لتلك العواطف والمشاعر الإنسانية لجهة تقريب البعيد وسرعة الانتقال بين الثقافات والأفكار والتوجهات فإن الأمر مُختلف جدًا.

– أربعة أيام بلا إنترنت وبلا تواصل وبلا أخبار وبلا تبادل أفكار وآراء ومحادثات صوتية ومرئية ومكتوبة، ودون معرفة ما يدور حولنا، وفي بعيد قربته تكنولوجيا العصر بما لم يكن في الحسبان، كنا في حالة يُتمٍ جماعي، وحالة سُبات نصفي.. وحين عادت الخدمة كان كل اليمنيين في حالة تأهب قصوى يرقبون هواتفهم وكأنهم بانتظار مدفع إفطار رمضان، ورغم أن ذكريات الزمن الجميل كانت عزاءً مقبولًا لمدمني تكنولوجيا العصر خلال أربعة أيام إلا أنها لم تعد بديلًا لما هو الزمن عليه اليوم.

– أحد الناشطين جدًا عبّر عن فرحته بعودة خدمة الإنترنت إلى اليمن بعد الانقطاع بإرسال رسالة جماعية تنص على سؤال (كم لبثنا)، وهنا كان الرد من كثيرين (يومًا أو بعض يوم !!)، وعلق آخر بأن اليمنيين شهدوا فرحتين خلال أشهر معدودات فرحة بفوز منتخب الناشئين لكرة القدم ببطولة غرب آسيا، وفرحة بعودة الإنترنت للخدمة، ومع أن الفارق شاسع بين كل زمن وما قبله إلا أننا كنا نستحق ذكريات ماضينا عن جدارة مثلما يتوجب علينا مواكبة العصر دون هوادة.

 

صحافي وكاتب يمني

:[email protected]

@fmukaram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X