المنتدى

صراعُ الهيمنة في ظل النظام السياسي الدولي الراهن

أمريكا بدأت تفتقد شروط المُهيمن إلا أن التحول الجذري غير كائن

بقلم/ د. خالد مفضي الدباس:

لمْ تكن وثيقةُ «الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي» في الثالث من مارس 2021، تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية، بمقدار ما هي إلا تعبيرٌ حقيقيٌ عن تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية من على سُلَّم القوى الدولية، فقد أضحت الولايات المتحدة الأمريكية تمر بمرحلة مخاض عسير عبر انتقالها القسري من قطب مهيمن إلى قطب رئيسي من أقطاب النظام الدولي، نتيجة لبروز قوى دولية رئيسية مناوئة للسياسات الأمريكية والهيمنة الغربية، كالصين، وروسيا، وإيران.

فقد شكلت المُقاربات الفكرية التي طرحها زبغنيو بريجنسكي مدخلًا مهمًا، يمكن الانطلاق منه في فهم مُستقبل السياسة الدولية وتقلباتها، فقد دعا الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاختيار ما بين (الهيمنة) أو (القيادة)، لأن اتخاذ أمريكا موقعَ المهيمن المنفرد على الاقتصاد العالمي، لم يعد ممكنًا، وسيضرُّ بسياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، وهو أمر يمكن تفاديه من خلال اتخاذها وضعيةَ القيادة، والتخلي عن طموحات الهيمنة غير الواقعية في ظل تصاعدٍ ملحوظٍ لقوى أخرى. فقد أكَّدَ بريجنسكي أنَّ الهيمنة الأمريكية أصبحت في أيامها الأخيرة، وأن السياسة الأمريكية يجب أن تعدل باتجاه خلق تحالفات جديدة حتى مع القوى الصاعدة، والهدف من ذلك كله هو إعادة التموضع لبقائها قوة عالمية فاعلة.

لكنَّ مرحلة التحول من القطبية الأحادية نحو التشاركية في إدارة النظام العالمي تتخللها مخاطر جمَّة، فالفوضى الاقتصادية بين الحربَين العالميتَين الأولى، والثانية، والتي قادت إلى الكساد العظيم عام 1929، لم تكن في نهاية المطاف إلا نتاجًا لغياب القوة المهيمنة، وحتى تستقر الأوضاع، وتلافيًا للفوضى فإنه يُشترط في الدولة المرشحة للهيمنة (بموجب نظرية الاستقرار المهيمن) توافر الإرادة السياسية للهيمنة، وامتلاكها اقتصادًا جبارًا وديناميكيًا، واحتكارها تكنولوجيا بعينها يحتاجها الجميع، مع تواجد قوة بحرية، وجوية، متفوقة قادرة على الانتشار والوصول إلى مواقع الصراع أينما وجدت، بعيدًا عن فكرة الجيوش المتمركزة. فقد عجزت بريطانيا عن إدارة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تستطع منع الكساد العظيم، بالرغم من وجود الإرادة السياسية لتحقيق ذلك، ولم تستطع فرنسا قيادة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بعد مغامراتها الفاشلة في فيتنام والجزائر. ومن شروط الهيمنة أيضًا أن تلتزم القوة المُهيمِنة بالنظام الذي تتسيده، والذي يجب أن يحقق المنفعةَ المتبادلة مع القوى الرئيسية في النظام الدولي.

أما هذه المعادلات المعقدة في صراع الهيمنة بين عمالقة النظام الدولي، فإنَّ الحديث عن تحول قسري ومفاجئ في بنية النظام الدولي الحالي، أمر غير وارد على الأقل خلال العشر سنوات القادمة، على الرغم من أن حدة الاستقطابات الدولية ستتفاقم، وستمتد على فترات متقطعة (الملف الأوكراني، والإيراني، وتايوان)، وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت تفتقد شروط المُهيمن إلا أنَّ التحول الجذري غير كائن، نتيجة لغياب أي قوة دولية مُكافئة تمتلك شروط الهيمنة بكليتها، كما أنَّ أسلوب الهيمنة الأمريكية خلال ما يزيد على سبعة عقود قد عمل على ربط اقتصادات العالم بالاقتصاد الأمريكي من خلال قوة الدولار، فالجميع سيغدو خاسرًا، لأن الجميع يرقد في مركب الدولار، كما أنَّ الولايات المتحدة لن تسمح بحلول مُهيمن آخَر بسهولة، لأنَّ اقتصادها يرتكز بنيويًا على الهيمنة، لكن الأمر لن يصل إلى حدة الصدام المسلح؛ لأنَّه لن يكون بعد الحرب سياسة على حد تعبير غورباتشوف.

أستاذ العلوم السياسية المشارك

في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X