fbpx
المنتدى

… وإليكم التفاصيل

تسيطر روح كريشان بأسلوبه السهل وحكاياته عبر تجربته الصحفية الممتدة منذ الثمانينيات

بقلم /سامي كمال الدين ( إعلامي مصري )

 

عرف الشعب العربي محمد كريشان الإعلامي الرصين، ذا الصوت المميز عبر شاشة قناة الجزيرة صاحب الطلة التي اعتادوها، في الجانب الآخر حافظ كريشان على الصحفي داخله عبر مقاله في القدس العربي الذي يعبرعن فكره ورؤاه الفكرية والسياسية والثقافية، ليأتي كتابه «محمد كريشان يروي… وإليكم التفاصيل» الصادر عن دار جسور للترجمة والنشر كاشفًا لنا عن تجربة مُهمة في الصحافة العربية وجوانب متعددة من حياته. في هذا الكتاب تسيطر روح كريشان بأسلوبه السهل وحكاياته عبر تجربته الصحفية الممتدة منذ الثمانينيات، بل منذ عمل في مجال الصحافة في تونس في جريدة «الرأي» التي عمل فيها منذ كان طالبًا في الجامعة يدرس الإعلام.
كانت «الرأي» هي المتنفس الوحيد للتيارات السياسية المعارضة المختلفة في تونس، من إسلاميين ويساريين وقوميين -حسب وصف كريشان- أسس بعد ذلك زعيم المعارضة أحمد المستيري ومصطفى بن جعفر ومحمد مواعدة والدالي الجازي وإسماعيل بولحية «حركة الديمقراطيين الاشتراكيين» لتصدر صحيفتها الأسبوعية «المستقبل». مع مجيء محمد مزالي وزيرًا أول ثم رئيسًا لوزراء تونس بعد ذلك حدث انفتاح في الحياة السياسية. ووسط هذه التطورات بدأ الطالب في الصف الثاني من الجامعة محمد كريشان حياته الصحفية من خلال ذهابه لـ «الرأي» ولقائه حسيب بن عمار طالبًا التعاون مع الصحيفة، أُسند إليه باب بريد القراء، ليطلع من خلاله على رسائل القراء ومقترحاتهم وانتقاداتهم، مع كتابة مقال أسبوعي عن آخر تطورات الساحة العربية والفلسطينيّة بشكل خاص.
كان هذا كله بلا مقابل بسبب ظروف الجريدة المادية حسبما شرح له سي حسيب في ثاني لقاء بينهما، لكن بعد أن رأى إنتاجه الغزير واجتهاده قرر صرف راتب شهري له مقداره ستون دينارًا.
كان حسيب بن عمار أحد القيادات التاريخية في تونس التي شاركت الحبيب بورقيبة مراحل النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ثم تحوّل إلى معارض لسياسات بورقيبة، فاستقال من الحزب الوطني ومن وزارة الدفاع بل وهو «أول من أدخل على الإعلام في تونس المعاصرة لغة التعددية السياسية وعقليتها والحق في الاختلاف والتعبير عنه، حين جعل جريدته منبرًا لكل الآراء والتيارات السياسية بتصنيفاتها المختلفة، مع أنه لم يكن بالضرورة متفقًا مع كل ما ينشر على أعمدتها».
على صفحات جريدة «الرأي» وفي عهد المركزية لحكم الرئيس بورقيبة نوقشت ملفات التعذيب في السجون والمليشيات الخاصة للنظام وتجاوزات بعض المسؤولين، وغطت المحاكمات السياسية لمعارضين ونقابيين سجنوا في عهد بورقيبة، وهي ربما قريبة الشبه بمحتوى صحيفتي «الشعب» الصادرة عن حزب العمل و«العربي» الصادرة عن الحزب الناصري في مصر أثناء حكم الرئيس حسني مبارك.
عمل كريشان بعد تخرجه من الجامعة لفترة قصيرة في وكالة «رويترز» ثم ما لبث أن عاد أدراجه للعمل في صحيفة «الرأي» وهي التي عمل وكتب فيها رموز سياسية في تونس منهم الباجي قايد السبسي والمنصف المرزوقي والحبيب بولعراس والصادق بن جمعة وأحمد شطورو.
يقدم كريشان تشريحًا لسياسة السبسي في حكم تونس ودوره مع زين العابدين بن علي قبل ذلك، وقبلهما دوره مع الحبيب بورقيبة «وجد الناس فيه بعض رائحة بورقيبة الذين اشتاقوا إليه» فاجتازت تونس بسلام مع هذا العائد فترة شديدة الصعوبة، لاذ به كل من توجس خيفة من الإسلاميين الذين أفزع دخولهم القوي، والمتعجرف أحيانًا، شرائح واسعة من التونسيين.
أما منصف المرزوقي الذي كان يكتب المقالات في صحيفة «الرأي» فقد كان شديد الاعتداد بآرائه، وقد التقاه كريشان في قصر قرطاج وتحدث معه عن حرية الصحافة والإعلام، التي أقرها الرئيس المنصف المرزوقي بالفعل ولم يلاحق أحدًا من الصحفيين الذين انتقدوه في عهده.
تعرضت صحيفة «الرأي» للمصادرة منذ صدورها في السبعينيات حتى تحوّلت عام 1987 من صحيفة أسبوعية إلى مجلة شهرية، وأشرف عليها كريشان، لكنها صودرت أو قل لم تُمنح ترخيص تحويلها إلى مجلة شهرية بسسب المقالات التي انتقدت حكم بن علي ووصفه بصاحب القبضة الحديدية، واختيار الأسوأ من رجال السياسة والإعلام ليكونوا من رجال العهد الجديد.
طبعت آلاف النسخ من العدد لكنها ظلت في المطبعة ولم تحصل على إذن توزيعها، بحجة مقال «أم زياد» الذي تم حذفه وطباعة الجريدة من جديد لكنها لم تحصل على إذن توزيع وبقيت حبيسة المخازن!
كانت أول مهمة صحفية خارج تونس لمحمد كريشان هي الذهاب إلى ليبيا لإعداد سلسلة حلقات عن التجربة الليبية تحت حكم معمر القذافي، ظل هناك لعشرة أيام بناءً على دعوة من السفارة الليبية في تونس، الذين خصصوا له سائقًا اتضح أنه مخبر يكتب تقارير فيه، حيث فوجئ كريشان بورقة مكتوبة ومطوية داخل صحيفة على الكرسي الخلفي للسيارة كتب فيها «محمد كريشان صحفي من جريدة الرأي التونسية، لا يملك آلة تصوير ولا آلة تسجيل، وهي أشياء ضرورية لأي صحفي، كثير الأسئلة حول المواقع التي زرناها» . كان كريشان لا يملك مسجلًا أو كاميرا بسبب ظروفه الماديّة، لكن هذا التقرير أصابه بعقدة من ليبيا فلم يزرها مرة ثانية، على الرغم من دعوات متكرّرة له من العقيد معمر القذافي!

 

@samykamaleldeen

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X