fbpx
كتاب الراية

خواطر.. أفكار مُشتتة

قيمة الهدية في حاجتها وأثرها الفاعل في حياتنا

الهَدَايا من العادات المُحبّبة في المُجتمعات القديمة والحديثة، يقول المثل: «غنيّة وأحب الهدية»، فالهدايا تسعدنا، إلا أنها تحتل جزءًا من ميزانية الفرد والأسرة، فما المانع من إعادة النظر، بإنشاء صندوق نقدي عائلي خاص بالمقبلين على الزواج، والناجحين، والأقارب المحتاجين، أليس ذلك تكافلًا اجتماعيًّا تحت مُسمى هديّة.

وما الذي يمنع من تبادل الهدايا وفق احتياجات المُتلقّي، بعد إعادة تقييمها كأولويات تلائم قدرة الطرفين. كم تلقينا هدايا آلت إلى التخزين أو التوزيع أو إعادة الإهداء، عدا الزهور والحلويات سريعة التلف.

لا أؤمن بالمثل القائل: إن الهدية على مقدار مُهديها، بل قيمتها في حاجتها وأثرها الفاعل في حياتنا، أجمل الهدايا تكون في تقديم الضرورات، وفي التواضع قبل البذخ، وفي الاهتمام قبل أداء الواجب، وفي الإفصاح عن المحبة، وفي كتابة رسالة رقيقة، أو طهو طبق يحبه صديقك، أو فنجان قهوة على مزاجه لا مزاجك.

وبالمناسبة، كم عدد فناجين القهوة وأكواب الشاي لديكم؟

وبالعودة للوراء فيما يخص الحصول على احتياجات الحياة، نجد أنه منذ ظهور العملات النقدية والمعاملات المصرفية، قُضِيَ على المُقايضة أو المبادلة، التي كانت أقدم أساليب التعايش المجتمعي والاقتصادي، ومع زيادة عدد سكان العالم، تزايد الإنتاج والتصنيع بشكل فائض عن الحاجة، فكان لا بد من التسويق لزيادة الاستهلاك، بالتوازي مع التنويع والتحديث، الذي فقد مصداقيته فيما يتعلق بصلاحيته للاستهلاك الآدمي والحيواني، فتلوثت البيئة وتضررت المخلوقات، وتوعّكت الطبيعة وتغيّر المناخ.

كانت القرى القديمة تنعمُ باكتفاء شبه ذاتي، ففي كل حي خيّاط وإسكافي ونجّار وحدّاد وبنّاء ومُزارع أو أكثر، وكانت الزراعة على رأسها مع طُرقٍ لتوفير المياه، فالأنهار والأمطار والبحار لم تكن يومًا من نصيب الجميع، لكن المشاركة قسمة واجبة.

ومع تنقل البشر واكتشافهم أرض الله الواسعة، واختلاط الحضارات، عاصرنا عددًا من الاكتشافات والنقلات النوعية، التي طورت الحياة على كافة الأصعدة. وانتشرت مفاهيم وعادات جميلة، أصبحت إلزامية مع الوقت، لكن المبالغة فيها جعلتها آفة، حوّلت الاستهلاك إلى هلاك.

حتى صار غلاء المعيشة قاسمًا مشتركًا، ولأن لكل بلد ومجتمع تقاليده وهويّته الخاصة، فالنُصح والإرشاد ليس دائمًا مقبولًا، خاصة من الغرباء، فتغيير وتيرة الاستهلاك تبدأ من ذواتنا قولًا وفعلًا، ثم تنتشر بدافع المسؤولية المجتمعية، وهذا لا يكون بالتوعية فقط، بل بالتغيير العلني والمشترك.

فمثلًا لا يمكن أن تكون مُدخّنًا وتدعو الآخرين للإقلاع عن التدخين، إلا إن أقلعت أولًا، علمًا بأن المُدخن يستهلك حوالي 500 ريال شهريًّا، أي ما يعادل 6000 ريال سنويًّا، فالضرائب كبيرة على ما لا يلزم ويضرّ، والعلاج مُكلف أيضًا.

لقد نقلت لنا الأفلام المصرية فكرة «الجمعية»، التي تنص على التزام مجموعة أشخاص بدفع مبلغ شهري متساوٍ، يقبضه أحدهم كل شهر، تجنبًّا للقروض المصرفيّة وفوائدها وما يترتب على التأخر في سدادها، يا لها من فكرة رائعة.

كما عادت المقايضة والمبادلة بحُلّة عصرية تضمن استمرارية استخدام ما يصلح حتى آخر رمق من عمره الافتراضي، فالسيارة التي تباع أو تُهدى بعد عشر سنوات من الاستخدام، ويقوم بصيانتها محترفو المهن الميكانيكية، تصبح صالحة للاستخدام لعقْدٍ آخر.

لكن يبقى الاستغناء أفضل طرق التوفير، يليه حُسن الاستخدام واتباع نصائح الترشيد، كما هو مُطّبق في استهلاك الماء والكهرباء. لماذا لم نعد نتباهى بحسن التدبير المنزلي بدلًا من التبذير المتبوع بالشكوى، وما المانع من انتظار التخفيضات، والإضراب عن اقتناء الكماليات.

ليست مسألة هدايا فقط، بل نمط حياة، فالمُستهلِك هو من يُشجع المنتج والبائع على التحكم بالأسعار، القرار بأيدينا ونحن من يَصنع التغيير.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X