fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. أزمة التعبير باللغة العربية

ظاهرة خطيرة تعبر عن أزمة لغوية وثقافية وفكرية تعاني منها الأمة العربية

إن ما يمكن أن نلاحظه جميعًا من خلال متابعتنا للمواد المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي بكل أنواعها، وغيرها من وسائط النشر والتعبير، هو تلك الركاكة والصعوبة في التعبير اللغوي والإملائي والشفهي باللغة العربية الفصيحة، وكثرة الأخطاء فيها.

قد تكون صعوبة التعبير عن الأفكار باللغة العربية مسألة مقبولة عند غير العرب أو الناطقين بغيرها، الذين حاولوا أن يتعلموها. فهؤلاء طبعًا يحتكون بلغة غير لغتهم الأم، ويحاولون أن يتعلموا لغة جديدة عليهم، وبالتالي فلا حرج في الخطأ واللحن فيها.

ولكنها تعتبرُ حالة مقلقة للغاية عندما يتعلق الأمر بالعرب أنفسِهم، الذين صار أغلبهم، -خصوصًا الأجيال الجديدة- يصعب عليهم التعبير عن أفكارهم بلغتهم الأم!

نعم، هي ظاهرة خطيرة وخطيرة جدًا، وتعبر عن أزمة لغوية وثقافية وفكرية تعاني منها الأمة العربية. فهي لا تتعلق فقط بأخطاء لغوية تواصلية بسيطة. وإنما بانحدار حضاري ستكون عواقبه وخيمة.

ولكي نفهم ما نتحدث عنه بالضبط، دعونا نعود بالزمان للخلف، إلى فترة بداية النحو واللغة كقواعد. ولعل أشهر قصة لهذه البداية هي التي تقول بأن «أبا الأسود الدُّؤَلي مرّ برجل يقرأ القرآن الكريم فقال: «إن الله بريء من المشركين ورسولِه»، كان الرجل يقرأ (رسوله) مجرورة أي أنها معطوفة على (المشركين) وهذا يُغير المعنى؛ لأن (رسولُه) مرفوعة لأنها مبتدأ لجملة محذوفة تقديرها (ورسولُه كذلك بريءٌ)، فذهب أبو الأسود إلى علي رضي الله عنه وشرح له وجهة نظره من أجل إنقاذ اللغة العربية.

وهكذا بدأت اللغة كعلم يُدرس، حتى وصلت لما وصلت إليه خلال العصرين الأموي والعباسي، حيث كانت اللغة العربية، بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء، اللغة الأولى في العالم، وكانت هي لغة العلوم والآدب، والفكر، والفن، والثقافة. فقد كان ذلك نتيجة القيمة والأهمية التي تم إيلاؤها للغة العربية وللفصاحة اللغوية والجزالة التي كانت لها في ألسن العرب في تلك الفترة. ثم تقهقرت وتراجعت خلال القرون القليلة الماضية، ولم تعد كما كانت أيام مجدها وأوج ازدهارها، لغة علمٍ ومعرفةٍ وأدب، واكتفت بدور الترجمة واقتصر دورها على استيراد العلوم بمصطلحاتها ومفاهيمها لأسباب كثيرة أهمها ضعف التعليم في الوطن العربي. وطبعًا بقي هذا التقهقر متواصلًا، وزادت حدته مع زحف العولة ومبادئها، التي همّشت اللغة العربية أكثر لصالح اللغات الأخرى.

هي علاقة جدلية ثابتة إذن، فموقع اللغة عند أبنائها هو مرآة تعكس واقع المتكلمين بها في كل المجالات. فالتطور والازدهار لهذه الأمة لا يمكن أن يكون بمعزل عن هذه اللغة التي خلقها بها الله.

فقصة أبي الأسود الدُّؤلي نراها تتكرر أمام أعيننا وبأشكال أكثر قتامة، والحل لن يكون إلا بالعودة للاهتمام بها وتذوق حلاوتها، والغوص في بحرها العميق، لاكتشاف جواهرها التي لا تنقضي، وتحبيبها للأجيال الناشئة. فهذا هو السبيل الأوحد لإتقانها وإنقاذها وإنقاذ هويتنا وحضارتنا معها. وكما يقول الشاعر حافظ إبراهيم بلسانها:

فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيتَ في البِلى

وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي

وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ

مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَاءلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

 

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X