كتاب الراية

في محراب الكلمة ….نقاش هادئ حول الخصوصية في العمل

لا بد من وضع محدّدات لوقف معارك الخصوصيّة في الأعمال

دار نقاشٌ طويلٌ مع مدير إحدى المنظمات الرائدة حول سياسة الخصوصيّة في العمل، خصوصًا مع تقدم التقنيات الحديثة التي ابتكرت أجهزة وبرامج لتتبع حركة الموظفين وأدائهم وأنماط أعمالهم، بل وصلت إلى درجة رصد كل تحركات وتفاعلات فريق العمل داخل المنظمة.

والحقيقة أن هذا الموضوع مثار جدل قديم جديد، بين مَن يرى أهمية الحفاظ على خصوصيّة العمل ويضعون مبررات تتبع الموظفين وعلاقتها بالكفاءة والحماية وزيادة الإنتاجيّة، خصوصًا مع وقوع حالات كبيرة لانتهاكات خصوصيّة الأعمال وتسريب بيانات حسّاسة من قِبل الموظفين، في حين يرى فريق آخر بأن التوسّع في مراقبة الموظف يمثل عائقًا كبيرًا أمام إبداعه مع الحد من طبيعة الإنسان البشريّة في تواصله مع الآخرين، حتى قال أحد الموظفين إن هذه الطريقة من الرقابة الشاملة تحوّل الموظف إلى رجل آلي تحت دائرة الاتهام.

قد نتفقُ بأنه من المهم رفع مستوى الشفافية في بيئة العمل، وفصل الجوانب الشخصيّة عن مكان العمل، فالخصوصيات الخاصّة لها أماكنها المعروفة، لكن مع اعتبار أن أغلب الموظفين يقضون ثلث أوقاتهم في العمل فإن الفصل التام يعد من قَبيل المبالغة، ومِن هنا لا بد من وضع محدّدات لوقف معارك الخصوصيّة في الأعمال، وما هي الأخلاقيات التي ينبغي أن نتبعها للحفاظ على خصوصيّة العمل وخصوصيّة الموظف.

في تصوّري أن الأمر يبدأ بتأكيد التزام الموظفين بقيم الرقابة الذاتيّة تضمن الحفاظ على خصوصياتهم الشخصيّة قدر الإمكان، مع وضع الحدود التي توازن بين العمل والحياة الخاصّة، والحفاظ على قدر من التواصل مع فريق العمل في الجوانب الشخصيّة والعامة المتاحة، لإضفاء الحيوية والطابع الاجتماعي المرتبط بالفطرة الإنسانية، وفي نفس الوقت احترام أدوات الرقابة العامّة التي تفرضها المنظمات فيما يتعلق باستخدام أجهزة العمل والحفاظ على سريّة البيانات والإفصاح عن المعلومات الخاصة بالعمل.

لكن ماذا عن أصحاب الأعمال ومديري المنظمات؟ ما هي الحدود والحاجات التي تفرض عليهم وضع آليات للرقابة على الموظفين مع الحفاظ على خصوصياتهم؟ وهل هناك حق قانوني في التحكّم في سلوك الموظفين وعلاقاتهم الداخلية وأسلوب حياتهم داخل العمل؟

في الحقيقة تختلف المُحدّدات حسب طبيعة وبيئة عمل المنظمة وكذلك المبرّرات الضروريّة ونوع أدوات الرقابة، لكن المُحدّد العام من وجهة نظري الشخصيّة ينبغي ألا يخرج عن إطار ضرورة تحقيق التوازن بين الحاجة المشروعة لإدارة الأعمال بأفضل طريقة تراها المنظمة، مع احترام المعلومات والأنشطة الخاصّة بالموظفين حتى يشعر الموظف بالأمان، وترك مساحات مفتوحة وإشراك الموظف في العمل بشكل حقيقي يعطيه دافعًا للانخراط بالعمل بشكل أعمق، وذلك من شأنه أن يعزّز من الروابط بين المنظمة وموظفيها.

من حق الموظف أن يعطى جانبًا من الخصوصيّة، وألّا يشعر بأن الرقابة تحوّلت إلى وسيلة «تجسّس»، وعلى إدارة المنظمة استشعار هذا الأمر وخلق أجواء من الثقة المُشتركة وتبادل المعلومات والخبرات التي تساعد فريق العمل على إنجاز أعمالهم بطرق مبتكرة دون ضغوط ومخاوف الحفاظ على الخصوصيّة، وقبل ذلك يجب إشعار الموظف بأي إجراءات أو برامج رصد ومُراقبة تتخذ في مقرات العمل.

استشاري تدريب وتنمية

بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X