المنتدى

المصالح الأمريكية في الصراع الروسي-الأوكراني

الأزمة الأوكرانية إحدى المصائد الكبرى التي نصبتها الولايات المتحدة لصيد الدب الروسي

بقلم/ د. خالد مفضي الدباس:

تدركُ الولايات المتحدة الأمريكية مليًا، أن تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية، في سلم القوى الدولية سيحفز الأطراف الدولية الأخرى إلى البحث عن مكانة دولية لتصدر الزعامة العالمية، وقد بدأت روسيا فعليًا بمُنادَدة الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق هذه الغاية، فقد أعلن الرئيس بوتين في وقت سابق أن انهيار الاتحاد السوفياتي يمثل آخر الهزائم التي مُنيت بها روسيا.

وتشير المعطيات الأولية على الأرض إلى أن الأزمة الأوكرانية، كانت إحدى المصائد الكبرى التي نصبتها الولايات المتحدة لصيد الدب الروسي، ويبدو أن الساسة الروس لم يقرأوا المعطيات جيدًا، ولم يأخذوا على محمل الجد الوثيقة الاستراتيجية التي نشرتها إدارة بايدن عندما تسلمت السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد نشر البيت الأبيض وثيقة «الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي» في الثالث من مارس 2021، وهي وثيقة مرجعية تحظى بأهمية استراتيجية لاستجلاء معالم السياسة الأمريكية في المرحلة المقبلة وتحديدًا في الفترة الرئاسية التي سيقضيها بايدن في السلطة، فقد نصت الوثيقة حرفيًا «نحن نواجه عالمًا من القومية الصاعدة، حيث تنحسر الديمقراطية، ويزداد التنافس المتزايد مع الصين، وروسيا، والدول الاستبدادية الأخرى.. يجب علينا أيضًا أن نتعامل مع حقيقة أن توزيع القوة في جميع أنحاء العالم قد بدأ يتغير، وأن هناك تهديدات دولية ناشئة.. روسيا لا تزال مصممة على تعزيز نفوذها العالمي ولعب دور تخريبي، وقد استثمرت كل من بكين، وموسكو بكثافة في الجهود الرامية إلى التحقق من نقاط القوة الأمريكية، ومنعنا من الدفاع عن مصالحنا وحلفائنا في جميع أنحاء العالم».

أدارت الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة لغاية الآن بدهاء منقطع النظير، فقد أوهمت روسيا أن حدود التدخل الغربي لن يتجاوز التهديدات الدبلوماسية، وبعضًا من العقوبات الاقتصادية، وهو ما أغرى روسيا بالمغامرة في حرب مع دولة جارة، ويجمعهما تاريخ مشترك، ثم تفاجأت بالحجم الهائل من المعدات العسكرية المتطورة التي زودت بها القوات المسلحة الأوكرانية من قبل الغرب، فعلى الرغم من الفارق الهائل في ميزان القوة العسكرية بين أوكرانيا وروسيا، استطاعت أوكرانيا أن تصمد، وأن تحقق توازنًا، وأن تلحق خسائر بالقوات الروسية، وهو ما دفع الروس إلى القبول بالمفاوضات، على الرغم من أن المعركة لم تنته بعد، فقد اعتقد الروس أن تجربة القرم السابقة ستتكرر.

يتضح جليًا أنه لا رابح في هذه الحرب سوى الولايات المتحدة الأمريكية، فالمحصلة النهائية تشير إلى أن كلًا من روسيا، وأوكرانيا قد خسرتا الحرب بغض النظر عن نتائج المعركة، لكن التساؤل الذي يثور: ما الأهداف التي حققتها الولايات المتحدة الأمريكية من وراء هكذا حرب؟، ويمكن إيجازها على النحو الآتي:

– تأكيدها لزعامتها العالمية، وإضعاف أول المنافسين الأقوياء وهي روسيا، حيث تم تحييدها من منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة النظام الدولي بوصفها دولة مُعتدية، وسيعقُبها الصين. فقد فرضت على روسيا عقوبات اقتصادية أقصتها من النظام الاقتصادي العالمي، وهو ما سيُرهق الاقتصاد الروسي لأعوام ليست بقليلة.

– إعادة تفعيل دور حلف شمال الأطلسي الذي يمثل الإطار الشرعي والقانوني للزعامة العسكرية الأمريكية في أوروبا، وفي العالم.

– إفشال مساعي فرنسا لقيادة أوروبا، والاستقلال عن القرار الأمريكي في مواجهة الروس، وهو ما يربك المعسكر الأوروبي برُمته، ويؤكد أنه لا غنى لأوروبا عن الوجود الأمريكي، وأن فكرة الاتحاد الأوروبي المستقل عسكريًا عن أمريكا ضرب من ضروب الخيال.

– فصل أوروبا عن روسيا عبر زعزعة الثقة فيها، وإظهار روسيا بأنها تعمل على خلق البلبلة وعدم الاستقرار في المنطقة، في الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا إلى دولة تسهم في إحقاق الأمن والاستقرار، وذلك بهدف إكمال بناء وحدتهم السياسية، فقد كانت روسيا هي الدولة الأكثر حظًا للعب هذا الدور، إلا أن سياساتها تجعل أوروبا الغربية تنظر إليها بعين ماضوية فيها من الشك والريبة، ما يجعل أوروبا ترتمي مجددًا في الحضن الأمريكي.

– فصل ألمانيا عن روسيا، لأن التعاون الاقتصادي بينهما سيفضي إلى تحالف استراتيجي مرعب يهدد المكانة الاستراتيجية للولايات المتحدة في أوروبا، وهو ما تحقق عندما أعلنت ألمانيا عن تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وتوقيف العمل بمشروع خط الغاز الروسي «نورد ستريم 2» الذي يربط سوق الغاز الأوروبية بشكل كامل مع روسيا.

– تعظيم الخلافات التركية الروسية، وتأزيمها، خاصة أن القوات الأوكرانية تستخدم طائرات تركية مسيّرة من طراز بيرقدار في المعارك المُستعرة مع القوات الروسية، وقد أبدت روسيا قلقها من التعاون التركي-الأوكراني في المجال العسكري. يؤكد هذا الصراع أن أوكرانيا لم تكن سوى كبش الفداء، الذي سيتلقى الصدمات في صراع العمالقة، وأن روسيا وأوكرانيا قد خسرتا الحرب، بغض النظر عن نتائج المعركة.

أستاذ العلوم السياسية المشارك

في أكاديمية جوعان بن جاسم

للدراسات الدفاعية وجامعة اليرموك

[email protected]

تعليقات ٪s

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X