كتاب الراية

خواطر قلم.. بين الظِّلَالِ والضَّلَالِ عصا

العصا المقصودة هي عصا الظاء.. والعقاب البدني في التربية مرفوض

العصا في التعليم أداةٌ مهمةٌ يجب أن يركزَ عليها المعلمون في تعليمهم ويوضحوا أهميتها لطلابهم ويبينوا أنَّ ترك استخدامها قد يُسبِّبُ كارثةً لا تُغتفر، وأرجو ألا يستعجل عليَّ أهلُ التربية والتعليم بهجومهم على مقالي، وأن يؤجلوا انتقادهم لهذا التوجُّهِ حتى إتمام قراءة المقال، فما دعاني لهذا التوجه وكتابة هذا المقال تلك الأبيات التي قرأتُها في حالةِ عرض جوال إحدى قريباتي تعتزُ فيها بإخوانِها وتثني عليهم، لكنها أخطأت خطأ كبيرًا بعدم استخدامِها للعصا في حديثها عنهم وثنائها عليهم وبثِّ مشاعرها تجاههم، ما تسبب في خللٍ كبيرٍ كان يمكن تفاديه بكل يُسرٍ وسهولة لو استخدمت العصا استخدامًا صحيحًا ووضعتها في مكانها المناسب، فقد وضَعَتْ صورةً شخصيةً لإخوانِها مع بيتٍ من الشعر تُبدي اعتزازها بهم وعُلُوِّ مكانتَهم وما يمثلونه لها في هذه الحياة، فهم السند لها بعد الله والحضن الذي تأوي إليه عند الحاجة، ولكنها نسيت العصا في إحدى كلمات بيت الشعر الذي استشهدت به عندما قالت:

أنتم ضلالي من الغثا واللواهيب

وأنتم دفاي إليا اعطب البرد حالي

وهي تقصد (أنتم ظلالي)، فاستخدامها للضاد بدون العصا (ظ) قلب المعنى المراد من جعل إخوانها كالظِّلال الوارفة التي تحميها من لواهيب الدنيا وصواديفها وابتلاءاتها إلى التيه وعدم الاهتداء، وأظنها اعتقدت أن الفارقَ الوحيد بين الضاد والظاء هو تلك العصا فقط دون ملاحظةِ ما تُحدِثه تلك العصا من سحرٍ في النطق وجمالٍ في المعنى، وبسببِ اللَّبس بين هذين الحرفين يقع البعض في فخِّ الأخطاء الإملائية ثم يتبعه الوقوع في الأخطاء اللغوية.

وفي هذا السياق تذكرتُ موقفًا أخبرني به أحدُ الزملاء حصل له قديمًا، يقول: كان الشيخ يعلِّمُنا التلاوة في حلقة تحفيظ القرآن بأحد المساجد، فكنت أقرأ في سورة المرسلات قولَه تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ)، فكنت أنطقها (ضَلَال) بالضاد المفتوحة، فكان يوبخني وينهرني ويأمرني بإعادة قراءتها (ظِلَالٍ)، فكررتها كثيرًا حتى أتقنتُ نُطقَها نطقًا صحيحًا.

وفي القرآن الكريم الكثير من الأمثلة التي يتغيرُ فيها المعنى عند تغيير الظاء بالضاد فمثلًا: جاءت كلمة (ظَنُّوا) بمعنى حسِبوا واعتقدوا، فلو قلبناها ضادًا لأصبح معناها ضَنُّوا أي بخلوا، وبين المعنيين فرق كبير، ومثله: (الظَّن): الاعتقاد والشك أو التهمة و(الضَّن): ما يبخل به أو ما يختص به المرء، ومثله (النظر): البصر والبصيرة، و(النضر): الحسن، ومثله: (ظلَّ): دام على فعله أو صار ذا ظل، و(ضلَّ): حاد ومال أو خاب.

عذرًا، أهل التربية والتعليم فالعصا المقصودة في مقالي هي عصا الظاء، أما استخدام العصا والعقاب البدني في التربية فأنا من أشد الناس رفضًا له، وقد تتبعت السيرة النبوية منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى وفاته فلم أجد موقفًا واحدًا فقط يثبت استخدامه صلى الله عليه وسلم للعصا أو العقاب البدني، وفي الحديث الصحيح (ما ضَرَبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا قطُّ بيده ولا امرأةً ولا خادمًا)، بل كانت تربيته صلى الله عليه وسلم تقوم على الحُبِّ والابتسامةِ والتحفيزِ والثناءِ والدعاءِ.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X