فنون وثقافة
تواصل فعاليات موسم الندوات.. متخصصون:

الإسلام يدعو إلى احترام الآخر والاعتراف بحقوقه

د. سلطان الهاشمي: الوسطية منهج فكري وأخلاقي يعني الاعتدال

د. محمد عياش: أدعو لإقامة مركز للوسطية في قطر

د. عبدالقادر بخوش: الإسلام وازن بين الجانبين الروحي والمادي

الدوحة – أشرف مصطفى:
نظمت وزارةُ الثقافة ندوةً جديدةً ضمن موسم الندوات الذي يقامُ بالشراكة مع جامعة قطر والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويعدُ الأول من نوعه في الدوحة، باستهدافه إثراء النقاش والحوار، حول العديد من القضايا الثقافيّة والفكريّة والفنيّة. وحملت الندوة الجديدة التي احتضنها معهد الدوحة للدراسات العليا بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عنوان «الوسطية في الإسلام.. بين المثالية والواقع». وتمَ من خلالها تناولُ الأبعاد المختلفة لوسطية الإسلام، حيث تم رصدُ ما يحتاج إليه المسلمون من أجل فهم دينهم على الوجه الصحيح، وقد تحدثَ خلال تلك الندوة كل من د. سلطان الهاشمي، د. محمد عياش، د. عبدالقادر بخوش، و د. علاء هيلات، وأدار الندوة الداعية الإسلامي والمُحاضر الدكتور يوسف عاشير، وسط حضور عدد كبير من النخب الثقافية والأكاديمية والدارسين، الذين أثروا الندوة بمناقشات عديدة حول ما تم تناوله خلالها، وتحديدًا فيما يتعلقُ بالمنهج الفكري والأخلاقي والسلوكي الذي اتسمَ به الإسلام.

منهج أخلاقي

 

في البداية تحدثَ الدكتور سلطان الهاشمي والذي قدمَ بدوره الشكرَ لوزارة الثقافة وسعادة وزير الثقافة على الحراك الثقافي الحاصل حاليًا، وتمنى استمراره، وحول مفهوم الوسطية في الإسلام، قالَ: كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم تعني العدل والتوسط والاعتدال في الأمور كلها، موضحًا أنها عبارة عن منهج فكري وأخلاقي وسلوكي وحتى في العبادات والمعاملات تعني الاعتدال في جميع الجوانب الإنسانية، وأكدَ الدكتور الهاشمي أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال وأن الوسطية في الإسلام شاملة لكل قضايا الإنسان، وقالَ: في مجال العقيدة نجد أن اليهودية والمسيحية بالغت في تحريف عقيدة التوحيد، وادّعوْا ما ليس من حقهم، قال تعالى: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله» التوبة 30، وأضافَ الدكتور الهاشمي: لما جاء الإسلام بالوسطية والاعتدال جاء بعقيدة التوحيد الخالص، كما جاءَ بالتيسير والسماحة والرفق ورفع الحرج، واستشهد الهاشم بابن القيم رحمه الله، حينما قالَ: (فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين)، مؤكدًا بذلك أن تلك هي الوسطية في الإسلام. موضحًا أنها في الأساس منهج فكري أخلاقي سلوكي، يدعو للاعتدال في كل مفردات الحياة الإنسانية، بل وإنها دعوة لتحفيز الجانب الإيجابي من الشخصية الإنسانية الملهمة فطريًا بالفجور والتقوى. وقالَ الدكتور سلطان الهاشمي: إن الوسطية والاعتدال في الإسلام تدعو إلى احترام الآخر والاعتراف بحقوقه المشروعة، وأهمها الحريات الدينية اهتداءً بالنص القرآني الذي يقر بالحريات الدينية، مؤكدًا أن الاعتدال واجب في جميع جوانب الحياة، وضرب مثالًا بحالة الحرب، التي يحث خلالها الإسلام على عدم قتال من لا يحمل سلاحًا، وفي المقابل لا يوجد دين ولا قانون ولا عرف احترم الإنسانية بشكل كامل في حالة السلم والحرب كما احترمها الإسلام، إضافة إلى الموازنة بين متطلبات الجسد والروح، فلا يحرّم ما أحله الله ولا يحلل ما حرمه، بل العمل بالمباحات وترك المحرمات وكذلك المحافظة على وضع اقتصادي متزن من خلال عدم الإسراف في تبذير المال العام والامتناع عن البخل في المصروفات إضافة إلى منع الغلو في العقيدة والسلوك الذي يؤدي إلى تكفير الآخر ومن ثم استباحة دمه على أساس فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.

مفهوم الوسطية

 

وبدوره قالَ الدكتور محمد عياش أستاذ العقيدة بجامعة قطر: إن موضوعَ الوسطية لا يمكن ضبطه بشكل دقيق خاصة أن أغلب المتحدثين عنها يقدمونها بمفاهيم مختلفة، وأكد على أن ادعاء الوسطية أمر شائع، فلا يوجد أحد يمكن أن يصف نفسه بالتطرف، فالجميع يعتقدون أنهم معتدلون، ولذلك لا بد من الاتفاق على معايير لضبط معنى الوسطية وتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بالأبعاد أم بالجوهر أم بالأفضل، فمعاني الوسطية من حيث التشريح اللغوي كثيرة، ولفت إلى أن السؤال الأهم مفاده هو: هل هناك ثوب اسمه الوسطية يجب أن يرتديه الإسلام؟ أم أن الإسلام ذاته يجب أن يكون وسطيًا؟، وفي معرض إجابته عن هذا التساؤل أكد أن المشكلة تكمنُ في القراءة.
وأشار إلى أن بعض الشباب يتحسسون من أي دعوة تحت هذا العنوان، ظنًا منهم أن ما يتم تقديمه هي قراءات جديدة للإسلام لم يعرفها سلف الأمة، أو أن ما يتم هو ليٌّ لعنق تلك النصوص، لتدخل في حيز مزاج معين يتلاءم مع الظروف المعيشة حاليًا، ويرى الدكتور عياش أن سبب الخلاف في كل تلك التحديات هو الاختلاف في منهجية القراءة، كما أن البعض يقوم بالاجتزاء الذي من شأنه إتلاف المعنى أو تطبيق النص على الواقع بطريقة قاصرة، منوهًا إلى أن الأمر قد لا يتصلُ بفهم متشدد أو فهم وسطي بل إن الأمر بحاجة إلى الجمع بين أكثر من حديث أو آية قرآنية للوصول إلى المعنى الصحيح، بحيث لا يتم استخدام المعلومة بصورة مجردة دون فهم المعنى والغرض الحقيقي، علمًا بأن قراءة بعض النصوص الأخرى بطريقة علمية منهجية سيساعد في فهم المعنى، وقال إن تخندق البعض أمام نص واحد يصنع أزمة، مؤكدًا أن كل الخطر يأتي من تلك النظرة الأحادية التي تنتقي ما هو مجتزأ ومقطوع من سياقه. وفي نهاية حديثه قدمَ المتحدثُ دعوة لإقامة مركز للوسطية في قطر، مؤكدًا أن هناك حاجة حقيقية للمجتمع الإسلامي من أجل فهم الإسلام بصورته الصحيحة، فيتم التعامل على النحو الأمثل في المسجد والطريق والمدرسة والسوق، حيث تقام العلاقات بشكل صحيح بين الإنسان ومن يحيطون به، أي الجار وجاره والفئات المختلفة، مع ضرورة فتح الحوار بين كل التوجهات، وقال: إن ذلك سيساهم في تحقيق رؤية إسلامية حقيقية مستندة إلى منهجية علمية رصينة.

 

  • د. علاء هيلات: الوسطية قيمة قابلة للتطبيق والممارسات الحياتية

  • مشاركون: الخطر يأتي من النظرة الأحادية والاجتزاء من النصوص

  • مطلوب رؤية إسلامية مستندة إلى منهجية علمية رصينة

 

التأصيل القرآني

 

في بداية كلمته أعربَ د.عبدالقادر بخوش عن سعادته بتنظيم وزارة الثقافة مثل هذه الندوات، ومناقشة موضوعات غاية في الأهمية، ثم تحدثَ خلال كلمته عن التأصيل القرآني للوسطية والتي رأى أنها أبرز ما ميز الأمة والحضارة الإسلامية عن غيرها، وقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم تمكن من بناء حضارة قوية وصفها بالراقية كونها تمكنت من التعايش والحضارة التي انطلقت من قيم أرساها الإسلام. ونوهَ بخوش إلى أن هذه الحضارة الإسلامية تمكنت من جذب الكثيرين في الغرب، وهو ما عبر عنه منظرو الغرب في دراساتهم وكتبهم، ما تسبب في دخول العديد من الغربيين في الإسلام، بعد أن تأكدوا مما يتمتع به الإسلام من وسطية واعتدال. ثم انتقلَ المتحدث لرصد بعض الفوارق بين الإسلام وغيره من الأديان. مستشهدًا باليهودية التي تقوم على المادية، دون مراعاة للجانب الروحي، لدرجة أن الآخرة ليست حاضرة فيها، فضلًا عن المسيحية، التي قال إنها اعتمدت على الرهبانية والروحانية، بعيدًا عن الجوانب المادية، وإغفالها للشرائع والأحكام، للدرجة التي جعلت الكاتب الراحل عباس العقاد يصفها بديانة المحبة. كما تطرقَ بالحديث عن بعض الأديان الوضعية، مثل البوذية، والتي ظلت تبحث في الطبيعة وعنها، دون جوانب مادية أو روحية. لافتًا إلى أن العقل البشري لم يصل إلى الحقيقة الأساسية، وهو ما يستوجب الوعي، وانطلق الباحث مما سبق ليؤكدَ أن الإسلام وازن بين الجانب الروحي والآخر المادي، وأنه حمل شرائع ومنهجًا للحياة. لافتًا إلى أن هذه كلها مزايا، ميز الله تعالى بها الأمة الإسلامية، ليكون أبناؤها شهداء على الناس، ويكونوا نبراسًا للشعوب. واتفق د. عبدالقادر بخوش مع د.محمد عياش، في ضرورة تبني قطر مشروع إقامة مركز للوسطية.

المعنى الحضاري

 

بينما قالَ الدكتور علاء هيلات الباحث في العقيدة الإسلامية ومقارنة الأديان، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بجامعة قطر، في مداخلته: إن معايير الوسطية التي تعني العدل والتوازن، يمكن أن تتجلى من منطلق الآية الكريمة «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ..» آية 143 البقرة، مشيرًا إلى أن القرآن استخدم فعل الجعل بدلًا من الخلق الذي يعبر عن الابتداء، وأكد على أن الوسطية جزء أصيل في الإسلام، وليست ثوبًا نلبسه له، ولهذا جاءَ قوله سبحانه «لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» وهو ما يوضحُ المعنى الحضاري للإسلام، لأن المسلمين حتى يحققوا هذا الهدف، مطالبون بتقديم نموذج حضاري يُقتدى به بين الناس. وأضافَ: إن الوسطية قيمة يندرج تحتها عدد كبير من الأخلاق، وأشار إلى أن الإسلام به كل صفات الوسطية وهي تتوافق مع الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وقالَ: إن هناك توازنًا في الإسلام بين الروحانية والمادية، بخلاف الأديان الأخرى، التي تنزع الإنسان من فطرته السليمة كما تنزعه من وسطيته في الجانب التطبيقي، بجعله ماديًا فقط كما في اليهودية أو روحانيًا فقط كما في المسيحية، وكذلك الديانات غير السماوية. وأشارَ إلى أن المتدينين من ديانات غير الإسلام أحدثوا أزمات تاريخية في الحياة الإنسانية ما عدا الإسلام، فهو الدين الوحيد الذي لم يحدث أزمة في التاريخ الإنساني، مستشهدًا بقول المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه «حوار الحضارات» بأن الغرب بتدينه بالمسيحية اليوم أسقط فرصة لكل الجنس البشري في إحلال السلام وإحلال الاستقرار البشري». كما تحدثَ عن علاقة الوسطية بمكونات الدين الإسلامي، من عقائد وتشريعات وأخلاق، مؤكدًا أنها قيمة قابلة للتطبيق والممارسة الواقعة في الحياة لأنها ضابطةٌ لعلاقة الإنسان بغيره من البشر، كما أنها ضابطةٌ لعلاقة الحضارة الإسلاميّة بغيرها من الحضارات.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X