كتاب الراية

خواطر قلم.. أوسمة الشرف (1)

ما زالت الفرصة مواتية لنترك بصمة جميلة في الحياة قبل رحيلنا

عندما تُقلِّبُ صفحاتِ التاريخ وتقرأ في سِيَر العظماء تستوقفك بعض الأحداث الجليلة والمواقف السامية، لشخصيات كان لها بصماتها الجليلة في مسيرة حياتها، من خلال مبادراتها وسبقها إلى مدارج السمو، فنالت ثناءً ومدحًا أو بشارة كان لها كالوسام الرفيع الذي يتوشح به صاحبُهُ وتفخرُ به ذريتُهُ من بعده، ومن أعلى الأوسمة وأعظمها عندما يأتيك الثناء والذكر الحسن من الله تعالى، وفي هذا المضمار كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه صاحب الريادة والسيادة في السبق والصُحبة ونالَ وسامًا خالدًا بأنْ ذكر الله تعالى صحبته في القرآن الكريم، فقال عز وجل: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)، فهي شهادة لا تعدلها شهادة ودليل من الله تعالى على صحبة أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الشهادة دومًا تلطم وجه من ينكر فضل الصدّيق رضي الله عنه الذي (أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى).

وتتوالى أوسمة الشرف لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فينال وسامًا رفيعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أحبُّ الرجالِ إليه، وأَعْظِمْ به من شرفٍ رفيع، في الحديث المتفق عليه عَنْ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قال عمرو فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ)، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: (أَبُوهَا).

ومن أعظم الأوسمة التي نالها أبو بكر الصديق والتي تضاهي الجوزاء في عليائها اختيار النبي صلى الله عليه وسلم له لمرافقته في حادثة الهجرة إلى يثرب، فقد خرج صلى الله عليه وسلم متوجهًا لبيت أبى بكر رضي الله عنه، فلما وَصَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال لأَبِي بَكْرٍ: أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ، قالَ: إنَّما هُمْ أهْلُكَ بأَبِي أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: فإنِّي قدْ أُذِنَ لي في الخُرُوجِ، قالَ: فَالصُّحْبَةُ بأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فلمَّا بشَّره الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحبة تألقت ابتسامة على شفتيه وتحدرت دمعات الفرح من على وجنتيه، تقول عائشة رضي الله عنها: (لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح، وما كنت أظن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت دموع أبي).

وما أجمل أبيات حسان بن ثابت وهو يصف أبا بكر الصديق ويمدحه ويعدد خصاله الجليلة ومناقبه العظيمة:

إذا تذَكَّرْتَ شَجوًا مِن أخِي ثِقَةٍ

فاذكُرْ أخاكَ أبا بكر بما فَعلا

التَّالِيَ الثَّانِيَ المحمودَ مَشهدُهُ

وأوَّلَ الناسِ مِنهمْ صَدَّقَ الرُّسُلا

وثانيَ اثنينِ في الغارِ المُنيفِ وقد

طاف العدُوُّ بهِ إذْ صَعَّدَ الجبَلا

وكان حِبَّ رسولِ اللِّهِ قد عَلِموا

من البَرِيّة ِ لمْ يعدِلْ بهِ رَجُلا

وفي مسيرة الحياة نرى كثيرًا من الناس قد تقلدوا أوسمة من الشرف رفيعة لما قاموا به من أعمال جليلة، منهم ذلك التاجر الذي سخَّر ماله في قضاء حوائج الناس وتنفيس كرباتهم، وذلك الوجيه الذي ضحى بوقته في المشي مع أصحاب الحاجات يشفع لهم ويخفف عنهم ويوصل مطالبهم، وذلك الكاتب الذي استخدم قلمه في الدفاع عن دينه ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم والذود عن حياض وطنه، وذلك الطبيب الذي ارتقى بعلمه يداوي الناس ويجري عملياتهم بعيدًا عن حسابات الدرهم والدينار، وتلك المرأة الشامخة في حفظها لبيتها وتربيتها لأولادها، وما زالت الفرصة مواتية لنا جميعًا لنتوشح وسامًا رفيعًا بعد أن نترك بصمة جميلة في هذه الحياة قبل رحيلنا عنها.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X