fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. فراق الأم

ماتت التي كنت أفرحُ عندما تطلبُ مني أي عمل أعمله خدمة لها

لا أظنُ أن هناك فراقًا أصعب على النفس وأكثر إحزانًا للقلب من فراق الأم، فكم هو مؤلم وشاق. مؤلم لدرجة أنك تحس به يمخر القلب ويوغل فيه، آلام لا يمكنُ أن تعبرَ عنها هذه الكلمات المبعثرة التي لا تقوى على حمل هذا الهم الذي نزل على هذا القلب الكسير.

فحينما نظرت إليها وهي على فراش الموت ووجهها يشع نورًا ووداعة، والابتسامة لم تفارقه رغم سكرات الموت، وقفت في صمت وأنا أتمعنُ في وجهها، لم أستطع أن أمسكَ نفسي وأن أوقفَ دموعي التي تهاطلت من عيني، دون إحساس أو شعور، حينها أحسست أنني ما زلت طفلًا صغيرًا لا معنى لحياته ولا قدرة له بدون هذه الممددة أمامي، أحسست أنها تخاطبني: «لا تبكِ يا بني، لا تبكِ..». وأنا أخاطبها وهي على فراش الموت وأتوسلها: «أرجو أن تكوني راضية عني، لا يهمني شيء في الدنيا سوى رضاك يا أماه»، لم أسمع منها شيئًا، وعدت للنحيب ثانية، حتى كأني أسمعها تقولُ بصوت مختلط بالموت: «نعم أنا راضية عنك في الدنيا والآخرة». هنا أحسست أنها تمنحني القوةَ للاستمرار وللصبر.. مرت ثوانٍ كنت غائبًا فيها عن الوعي برهة، أفقت واستجمعت قواي وقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون». وهكذا انتهى كلُ شيء، ورحلت روحي الثانية دون مقدمات، رحلت التي حملتني وهنًا على وهن ورافقتني في حياتي وقادتني لبر الأمان دون كلل منها ولا ملل، رحلت دون أن تعطيني فرصة لآخذ منها زادًا لما بقي لي من أيام على هذه البسيطة.

ماتت التي كنت أفرحُ عندما تطلبُ مني شخصيًا أي عمل أعمله خدمة لها، أقولُ في نفسي إنها تفضلني عن بقية إخوتي في خدمتها، وهذا إحساس عجيب أحسست به دائمًا وأنا معها، ماتت التي كان صوتها بل ووجودها فقط بجانبي يجعلني أحس بالأمن والسكينة، ماتت التي ما إن تضع يدها على رأسي وأنا مريض حتى أشعر بعافية تغشاني وبالمرض يفر هربًا من لمستها الحنون، ماتت التي وصى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أحق الناس بالصحبة، فقال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك»، ماتت التي جعل الله رضاها حبلًا للنجاة في الدنيا والآخرة، وجعلَ خدمتها توازي الجهاد في سبيل الله وتفاضله، ومما يدلُ على ذلك حديث معاوية بن جاهمة – رضي الله عنه – جاء للنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول له: «يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» قال: نعم، قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها».

رحلت ولا أجد لي سلوى إلا في قوله تعالى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». ولسان حالي يقول كما قال الشاعر عبد الله البردوني:

تركتني ها هنا بين العذاب .. ومضت، يا طول حزني واكتئابي

تركتني للشقا وحدي هنا .. واستراحت وحدها بين التراب.

فيا من تزال أمه على قيد الحياة، الزمها، الزمها كثيرًا، ولا تعصِ لها أمرًا، فهي جنتك ونارك، هي سعادتك وشقاؤك، فحذارِ من غضب الوالدين، إذا كلفك الوالد والوالدة بأمر، لا تقل «أفٍ»، أو «لماذا لا تكلف أخي فلانًا!» لأن هذا الباب الذي فتح لك هو باب الجنة ولكن لا تدري.

الزم والديك أخي قبل فقدانهما، فحينها ستندم، والله، على كل دقيقة خالفت فيها أمرهما أو عصيتهما، قال حميد: لما ماتت أم إياس بن معاوية: بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان من الجنة، وأُغلق أحدهما.

 

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X