fbpx
المنتدى

أوراق محمد عبد الوهاب الخاصة جدًا

وثيقة نادرة وإطلالة مُهمة وسيرة عظيمة لواحد من عباقرة الفن

بقلم /سامي كمال الدين ( إعلامي مصري )

الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب يشبهُ الألماس كلما تقادمت عليه السنوات زاد بريقه وزادت قيمته، ففي كتاب «رحلتي.. الأوراق الخاصة جدًا» لفاروق جويدة والصادر عن دار الشروق نكتشف محمد عبد الوهاب آخر من خلال قصاصات ورقية أوصى عبد الوهاب قبل رحيله زوجته السيدة نهلة القدسي بأن تمنحها للشاعر فاروق جويدة، حيث تفاجأ جويدة حين أخبرته أن عبد الوهاب طلب منها قبل رحيله أن تعطيه أوراقه الخاصة، التي كان يكتبُ فيها خواطره في بعض الأحيان.
وكان فاروق جويدة يعرفُ أن عبد الوهاب يكتب بعض خواطره، بل وكان في بعض الأحيان يقرأ بعضها معه، ولكنه لم يكن يتصور أن يضعَ على عاتقه هذه المسؤولية الضخمة.
واكتشفَ وهو يقلبُ هذه الصفحات أن هناك عبد الوهاب آخر غير الذي نعرفه بين هذه السطور: لقد حاول الرجل في هذه الأوراق أن يكون نفسه، أن يفصحَ عن أشياء كثيرة كان من الصعب أن يبوح بها.
ولأن عبد الوهاب كان إنسانًا حذرًا في معظم الأحيان ومجاملًا في أغلب الأحيان، فقد قال في هذه الأوراق كل ما عنده: في هذه الأوراق آراء سياسية حادة جدًا، كتبها عبد الوهاب، وفي هذه الأوراق آراء فنية جريئة وصريحة وقاطعة. وفي هذه الأوراق شهادات إنصاف كثيرة.
إنها وثيقة نادرة وإطلالة هامة وسيرة عظيمة لواحد من عباقرة الفن في العصر الحديث، ورمز من رموز التاريخ المصري.
في فصل «رحلة مع الفن» يقول عبد الوهاب لحظة الإبداع عندي هي التي أشعر فيها بأنني أحب، وأنني عاشق ولهان ولا أستطيعُ أن أفارقَ حبيبتي ولو لحظة واحدة، هذا الإحساس يأتيني عندما يفاجئني خاطر لحني أشعر بقيمته. لو جاءني هذا الخاطر وأنا في مكان في سهرة، في اجتماع، في لجنة، في حفل عشاء أعتذر على الفور وأقوم مسرعًا إلى منزلي. وكأني ذاهب إلى ميعاد مع حبيبتي التي لا يمكن الحياة بدونها، أعود مسرعًا وكأني في خوف من أن تمل معشوقتي انتظاري وتذهب.
وعندما أصلُ إلى منزلي أدخل فورًا إلى غرفتي، ومع أن الخدم في جهة بعيدة عن غرفتي إلا أني أحكم إغلاق باب الغرفة، وكأني أخافُ أن يرانا عزول فيفضح أمري، ثم آخذ عودي والمسجل أمامي، وكأن الخاطر تجسد في شكل فتاة جميلة أنظر إلى عينيها وشفتيها وشعرها وقوامها وأظل في هذه المتعة، متعة لقاء الحبيب بحبيبته شاكرًا ربي أن أنعمَ عليّ بهذه الحبيبة الفاتنة الجميلة، التي أسميها الخاطر.
ويجيب عبد الوهاب عن السؤال الصعب لماذا انتهى زمن الأصوات الجميلة حيث تأتي إجابته قاطعة: «ذهبت أم كلثوم بأدائها المعجز، وفريد بلون صوته الفريد، وعبد الحليم بتأديته الحساسة وشخصيته الذكية، فماذا بعد ذلك؟!
إن الغناء عمل موسيقي أولًا، والغناء جزء منه، فالمطرب أو المطربة جزء من التركيبة الموسيقية يقوم بدور بجانب الأدوار الأخرى المنوط بها للعمل الموسيقي إلى حد كبير.
وقد جذبت الأصوات الثلاثة الجماهير بأدائها وشخصيتها وشغلتها عن محاسبتهم عن العمل الموسيقي في حد ذاته، وكأن الجمهور لا يهمه إلا أن يسمع أداء أم كلثوم ويستمتع بشخصيتها، وكذلك فريد وعبد الحليم، وهذه الأصوات جعلت الجماهير لا تهتم بالعمل الموسيقي، لأن الأصوات الثلاثة التي كانت تسيطر على الجماهير كانت تقفُ حائلًا بين اهتمام الجمهور بالموسيقى كأساس.
وفي يقيني أن الصوت البشري لن يكون له سيادة كما كان في السابق، وستتجه الأغنية عمومًا بعد غياب هذه الأصوات نحو العمل الموسيقي المتكامل الذي يكون المطرب فيه صاحب دور، ولكنه ليس الدور الأول والوحيد، أي أن عهد سيادة الصوت سيخف عن ذي قبل ويحل محله عهد العمل الموسيقي. ورب هناك من يقول: إن الأغنية الآن فيها موسيقى، فالمقدمة ومقدمات الكوبليهات موسيقى، هذا صحيح، ولكنها موسيقى ليست ذات صلة وثيقة بلحن الغناء، بحيث إننا لو حذفنا أو غيرنا أو بدلنا هذه الموسيقى بموسيقى أخرى لا يحس السامع بخلل، لأن هذه المقدمات ليست من صلب الغناء، أي أنها منعزلة عنه، والعمل الموسيقي كل لا يتجزأ، صحيح أن غياب هؤلاء الشوامخ خسارة كبيرة، لكن رب ضارة نافعة.
وكأن عبد الوهاب يتنبأ بما سيحدث للفنانين العرب في مصر إذ يقول: «أما وقد أصبحت مصر منتهى أمل كل فنان عربي للحضور إليها والنهل من خيراتها الفنية، وأقصد هنا الموسيقى والغناء حيث يوجد في مصر: العلم.. اللحن والكلمة.. والموسيقى.. والحفلات والسينما والفرق الموسيقية.. وأجهزة الإعلام الخرافية من تليفزيون، وإذاعة، وصحف ومجلات.. كل هذا جعل الفنان العربي من جميع الأقطار العربية يحضرُ إلى هنا للانطلاق.
هنا «الفترينة» الكبيرة للعالم العربي، وغير العربي في كثير من الأحيان، إذا كان هذا واقعًا.. فلماذا هذه النغمة المرذولة.. هذا مصري وهذا غير مصري؟.

 

@samykamaleldeen

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X