كتاب الراية

خواطر قلم.. نَسَائِم ُ الصَّوْم

من جماليات رمضان رؤية المسلمين وهم يقضونَ أوقاتَهم بين ذاكرٍ وقائمٍ وساجدٍ يُلِحُّ في دعوتِهِ

يعيش المسلمون هذه الأيام أجواءً إيمانية مفعمة بالطاعات والقربات، بعد أن هبت عليهم نسائم الشهر الكريم فاستجابوا لربهم طائعين صائمين لوجهه الكريم؛ لعلمهم بأن الصيامَ عبادةٌ من أجلِّ العبادات، وقربةٌ من أشرفِ القُرُبات، طاعةٌ عظيمةٌ تزكّي النفوس وتهذِّبُ الأخلاقَ وتعينُ على تحصيل الأجورِ العظيمة وتكفيرِ السيئات المُهلكة، فما أجمل أن نزرعَ الخير فيه ونجتهدَ بأنواع الطاعات والقربات

أتى رمضانُ مزرعةُ العبادِ

لتطهيرِ القلوبِ من الفسادِ

فأدِّ حُقُوقَهُ قولًا وفعلا

وزادَك فاتخِذُه للمعادِ

فمن زَرَعَ الحبوبَ وما سقاها

تأوَّهَ نادِما يومَ الحصادِ

إنَّ شهرَ رمضان هو شهرُ الخيرِ والطاعات وشهر الفتوحاتِ والانتصاراتِ وليس شهرًا للكسل والنوم، ففي رمضان كانت غزوةُ بدرٍ ومعركة حطين وفتحُ مكةَ والأندلس، فلنجاهد أنفسنا وننتصر على أهوائنا في هذا الشهر الكريم؛ وأن نجتهد بتغيير ما بأنفسنا حتى يغيِّرَ اللهُ حالنا إلى حالٍ أفضل فالله عزَّ وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لقد كان الصالحون يَعُدُّون إدراكَ رمضان من أكبر النعم؛ فكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلِّغهم رمضان؛ وكان من دعائهم: (اللهم سلمني إلى رمضان، وسلِّمْ لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلًا).

لقد كان رمضانُ يدخل على الصالحين وهم ينتظرونَه ويترقبونه، يتهيّؤون له بالصلاةِ والصيامِ والذكر والصدقةِ والقيام، أسهروا ليلَهُم وأظمؤوا نهارَهم لأنَّهُم علِمُوا أنَّها أيامٌ مَّعْدُودات فاغتَنَمُوها.

إن من جماليات رمضان رؤية المسلمين وهم يقضونَ أوقاتَهم بين باكٍ غُلِب بعبرتِهِ وساجدٍ يُلِحُّ في دعوتِهِ وقائمٍ غَصَّ بزفرتِهِ راكعًا لله ساجدًا (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

لقد كان الصالحون ربانيين لا رمضانيين فصومُهم وعبادتُهم وقيامُهم، لا يقتصر على رمضانَ فقط بل كان طوال العام، باع رجلٌ من الصالحين جاريةً له فلما أقبل رمضانُ أخذ سيِّدُها الجديدُ يتهيأ بشراء ألوانِ الطعامِ فقالت: لِمَ تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبالِ الصيام في شهرِ رمضانَ، فقالت: وأنتُم لا تصومون إلا في رمضان؟! والله لقد جئتُ من عندِ قومٍ السنَةُ عندَهُم كلُّها رمضان، ثم قالت لسيدها الجديد: (لا حاجةَ لي فيكم، ردُّونِي إليهم).

ما أعظم حظ من أدرك رمضان فعمل فيه بما يُرضي الرحمن، فكم من نفوسٍ تمنَّت أن تبلُغَ رمضان؛ لِعلمِها بأنَّه شهرٌ تُضَاعَفُ فيه الحسناتُ وتُكفَّرُ فيه السيئاتُ وتُقالُ فيه العثراتُ وتُرفعُ فيه الدرجاتُ، شهرٌ تُفتحُ فيه أبوابُ الجنانِ وتُغلقُ فيه أبواب النيران وتصفَّدُ فيه الشياطينُ، شهرٌ فيه جليلُ الأعمالِ وعظيمُ الأجور، فيا من طالت غيبتُهُ قد قرُبت أيامُ المصالحة ويا من دامت خسارتُهُ قد أقبلت أيامُ التجارةِ الرابحة، فلا تُعرِض أيُّها العبدُ عن مولاك وهو يناديك ولا تُسِئ الظَنَّ به فأنت محتاج لرحمته:

أناسٌ أعرضوا عنَّا بلا ذنبٍ ولا معنى

أساؤوا ظَنَّهُم فينا فهلَّا أحسنُوا الظنَّ

فإن عادوا لنا عُدْنا وإنْ خانُوا فما خُنَّا

وإنْ كانوا قد استغْنَوْا فإنَّا عنهم أغنى

لقد أظمأ الصائمون نهارهم وقاموا ليلهم طمعًا في النعيم المُقيم في جنات الخلود، وَرَدَ عن بعضِ السلفِ أنه قال: بلَغَنَا أنه يوضعُ للصُّوامِ مائدةٌ يأكلونَ عليها والنَّاسُ في الحساب فيقولون: يا رب نحن نُحاسبُ وهم يأكلون، فيقال لهم: (إنَّهم طالما صامُوا وأفطرتم وقاموا ونِمتُم).

قد كُسي حلَّةَ البهاءِ وطافت

بالأباريقِ حولَهُ الخُدَّامُ

ثم حُلِّي وقيل يا قارئ ارقه

فلعمري لقد براك الصيامُ

فلنشمر جميعًا ولنستثمر هذا الشهر بلياليه وساعاته طمعًا فيما أعدَّه الله للصائمين في دارٍ لا تخرب وثمرٍ لا يتغير ومُلكٍ لا ينقطع ونعيمٍ لا يزول.

من يُرِد مُلكَ الجنانِ فليدَعْ عنهُ التوانِي

وليقُمْ في ظُلمةِ الليلِ في تلاوةِ القرآنِ

وليصلْ صومًا بصومٍ إنَّ هذا العيشَ فاني

إنَّما العيشُ جِوارُ اللهِ في دارِ الأمانِ

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X