fbpx
كتاب الراية

خواطر.. هَلَّ هلالك يا رمضان

الصيام نظامٌ عظيم الفوائد في تهذيب النفس والجسد

لطالما تغنّى الشعراء بالقمر وعددوا أسماءه وأبدعوا في وصفه، قرنوه بالعشقِ، مع أنّه بريء من أحوال المُحبّين، ولا ذنب له بما يقترفه البشر عند اكتماله أو خسوفه، لَهُم ما يَرون، ولهُ خالقٌ يعلَمُ بتسبيحه.

أحد عشر شهرًا يتغزّلُون بالبدرِ، وفجأة يُضحي الهلال الحبيب المُنْتَظَر، يترقّبون طلّته البهيّة، لِيُبشّروا أُمّة «لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله»، بقدوم شهر رمضان، فتُعقَدُ النيّات على الصيام والقِيام طاعة للرحمن في سبيل العفو والمغفرة، يا لها من فُرصة عظيمة، لا يُقدّرها إلا كل مُؤمنٍ مُوحِّدٍ يرغب برؤية وجهه الكريم.

ومن المعلوم أنَّ شهر رمضان يتقدم كل سنة أحد عشر يومًا عن العام الذي سبقه، وتلك الأيام هي الفرق بين السنة الشمسية والقمرية، وخلال ثلاث وثلاثين سنة تقريبًا يكون شهر رمضان، قد مرَّ في كلِّ فصول السنة، وعليه فإن كل ثلاث وثلاثين سنة شمسية يتكرر قدومه في نفس الفصل والشهر من السنة الميلادية.

والحكمة في ذلك من شأن الخالق جَلّ في عُلاه، ولا شك أن من تخطّى الخمسين، تنعّم بتجربة الصيام صيفًا وخريفًا وشتاءً وربيعًا، ولكل منّا ذكرياته عبر سنوات عُمره منذ بدايات صيامه، بين الاستيقاظ للسحور في عِزّ البرد لتناول التَمْر مع لبنٍ ولقيمات تمنحه الدِفء والطاقة، وبين لحظة الإفطار المنعشة في عِز الصيف، بشربة ماءٍ ترويه، وتَمْرٍ يقيه هبوط معدل السكر في الدم، كلها ذكريات راسخة في أذهاننا، لا نذكر منها إلا حلاوة تَجَمُّع العائلة، فالتَعب مرحلة مَنْسيّة، تكمن فيها حكمة الصبر على الحَقِّ بالطاعةِ لنَيْل الثواب.

الصوم ليس مجرد جوع وعطش، حتّى أذان المغرب، بل هو القدرة على التعامل والعمل والدراسة وممارسة حياتنا المعتادة، دون تضجّر وتوتّر، هو القُدرة على التحكم بشهواتنا، وميولنا، وانفعالاتنا، قوْلًا وفِعلًا.

يُقال إن التعوّد على ممارسة شيء ما لمدة شهرٍ، يُعيد بَرْمَجتنا جسديًّا وذهنيًّا على نظامٍ جديد، سواء كان ذلك الشيء حميدًا أو سيئًّا، ولأن الصيام نظامٌ عظيم الفوائد، في تهذيب النفس والجسد، فهو مطلب صِحِيّ يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع، إذ أثبتت الدراسات أن الصيام وسيلة ناجحة لتنظيم وظائف الجسم، إن اعتدلنا في النوم والإفطار والسحور.

يبقى الصوم عن الجدال والقيل والقال مربط الفرس، ويتحقق ذلك بكثرة القراءة وإشغال العقل بالتفكّر والتدّبر والتأمّل في آيات الله، إذ تزداد تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان، لنيل الحسنات، فكيف إن بذلنا جهدًا في تفسيرها بشكل منطقي يتماشى مع فطرتنا السليمة كبشرٍ وهبنا الله العقل والبصيرة، قائلًا: أفلا تَتَفكّرون، أفلا تُبصرون، أفلا تَعقلون؟! وخاطبنا بأسلوب جماعيٍّ، مُنَزِهًّا الرُسُل، ذاكِرًا لنا قصصهم، وأدعيتَهم، مُبيّنًا لنا نَهْجَهُم وسيرتَهُم المحمودة، فدعوتهم لتوحيده انتشرت بلين الكلام، وإنصاف الأنام بالعدل والموعظة الحسنة.

ألا بذِكر الله تطمئن القلوب، فَذِكر البشر بالسوء لا يجلب لنا ولهم سوى الهمّ والغَمّ والضغينة والحَسَد، فلنَصُم إذًا عن الأذى والهمْزِ واللمْزِ وأكل الحقوق واستضعاف الآخرين.

صيامًا مقبولًا وإفطارًا شهيًّا وهدأة بال توحّد صفوفنا كمسلمين وعرب، وكل عام والأمة الإسلامية بخير وسلامٍ من الله.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X