كتاب الراية

خواطر قلم.. إلا الصيام

أجر الصائم عظيم بلا حساب ولا عدد بخلاف الأعمال الصالحة الأخرى

في الصحيحَينِ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ..)، قال ابنُ عبدِ البرِّ رحمه الله: كفى بقولِهِ (إلا الصيام فإنه لي): فضلًا للصيامِ على سائرِ العبادات، ولفظ (لي) معناه: أي أنا متفردٌ بعلمِ مقدارِ ثوابِهِ وتضعيفه.

وقد يسأل سائل: لماذا أضاف اللهُ الصومَ إليهِ معَ أنَّ جميعَ العباداتِ لهُ سبحانَه؟

فالجواب: أضاف اللهُ تعالى الصومَ إليهِ لظهورِ الإخلاصِ في الصومِ أكثر من غيرِهِ من العباداتِ، فالصوم سِرٌّ بين العبد وربِّهِ لا يطَّلِعُ عليهِ إلا الله، وسائر العبادات ظاهرة، وقلَّ أن يسلم الظاهر من شوب، فالصائِمُ يكون في الموضعِ الخالي من النَّاس قادرٌ على تناوُلِ ما حُرِّمَ عليه بالصيام فلا يتناوله؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ لهُ ربًا يطَّلِعُ عليه في خلوتِهِ وقد حرَّم عليهِ ذلك فيتركهُ لله خوفًا من عقابِهِ ورغبةً في ثوابِه فمن أجلِ ذلك شكرَ اللهُ له هذا الإخلاصَ، فقال عز وجل (يدعُ شهوتَهَ وطعامَهُ من أجلِي)، وفي يومِ القيامة تظهر فائدةُ اختصاصِ الله بالصومِ لنفسِهِ كما قال سفيانُ بنُ عُيينة رحمه الله تعالى: (إذا كان يومُ القيامةِ يُحاسبُ اللهُ عبدَه ويؤدي ما عليه من المظالِم من سائِر عملِهِ حتى إذا لم يبقَ إلا الصوم يتحمَّلُ اللهُ عنه ما بقي من المظالِمِ ويدخِله الجنَّةَ بالصومِ).

وفي قوله عز وجل (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ): بيانٌ لعِظَمِ فضلِهِ عزَّ وجل وكثرةِ ثوابه؛ لأنَّ الكريمَ إذا أخبر بأنَّه يتولى بنفسِهِ الجزاءَ اقتضى ذلك عِظَمَ قدرِ الجزاءِ وسعةَ العطاء، فاللهُ أضافَ الجزاءَ على الصومِ لنفسِهِ من غيرِ اعتبارِ عددٍ وهو سبحانه أكرمُ الأكرمينَ وأجودُ الأجودين والعطيةُ بقدرِ معطِيها والمعطي هو الله، فيكون أجرُ الصائمِ عظيمًا كثيرًا بلا حسابٍ ولا عددٍ بخلاف الأعمالِ الصالحةِ الأخرى فإنَّه يُضَاعَفُ أجرُها بالعدد، الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعمئة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرةٍ كما في الحديث (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلا الصيام..).

ومما يدُلُّ على عِظمِ جزاءِ وثوابِ الصائم: أنَّ الصائمَ تحقق أنَّهُ من الصابرِين الذين يُجزِلُ اللهُ أُجورَهم؛ لأنَّ الصيامَ اجتمعت فيه أنواعُ الصبرِ الثلاثة، فهو:

1- صبرٌ على طاعةِ اللهِ، والصَّومُ طاعةٌ.

2- وصبرٌ عن معاصي الله، لأنَّ العبدَ يترك شهوتَه للهِ عزَّ وجلَّ ونفسُهُ تنازعه إليها كما في الحديث (يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي).

3- وصبرٌ على الأقدارِ المؤلمةِ بما قد يحصلُ للصائمِ من الجوعِ والعطش، واللهُ عزَّ وجل يقول في كتابِهِ الكريم (إنَّما يوفَّى الصابرون أجرَهُم بغيرِ حِساب).

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X