كتاب الراية

في محراب الكلمة.. غزوة بدر .. دروس وتأمّلات إداريّة

ضرورة حُسن اختيار الكفاءات بما يتناسب مع مهاراتهم وتحديد مهامهم

صبيحة يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى في معركة حاسمة برزت فيها معالم القيادة والإدارة والتخطيط النبوي وتحقّق بموجبها نصر مؤزر للمسلمين وفتح للإسلام وأهله.

أول الدروس التي يمكن الاستفادة منها من واقع غزوة بدر: ضرورة المرونة في الأهداف عند وضع الخطط ووضع البدائل المناسبة ودراسة الجدوى من خلال الأخذ بالأسباب وتقصّي أخبار العدو، فالهدف كان الاعتراض لقافلة قريش ثم تطوّرت الأحداث فتحوّلت إلى مواجهة عسكريّة.

نتيجة تطوّر الموقف العسكري كان لا بد من تفعيل مبدأ الاستشارة واختيار الخبراء المناسبين بناء على التخصصات، وهو الأمر الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين استشار أصحابه أربع مرات في ملاحقة عير قريش، وطبيعة تحديد مواقع المعركة، وكذلك في موضوع الأسرى ولم تكن قراراته فرديّة بل بناء على استشارة أهل الاختصاص.

ومن الدروس المهمّة أيضًا ضرورة حُسن اختيار الكفاءات والمبدعين بما يتناسب مع مهاراتهم وتحديد مهامهم بكل وضوح، ومتابعة إنجازاتهم، وهذا ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال اختيار الشخصيات المناسبة لجمع المعلومات، وتكليف الشخص المناسب لاختيار ساحة المعركة، وكذلك تكليف نائب له لإدارة شؤون المدينة عند غيابه، ومن ذلك أيضًا رفضه مشاركه البراء بن عازب وعبد الله بن عمر في المعركة بسبب عدم كفاءتهما من جانب صغر السن.

لفتة أخرى نتعلمها من غزوة بدر وهي المنهج الاحترافي الذي استخدمه «القائد» النبي صلى الله عليه وسلم في «إدارة الأزمات»، وإظهار ذكائه في جمع المعلومات وتحليلها لتقدير إمكانيات العدو من خلال شهادة الأسير من كفار قريش الذي تم القبض عليه، وإرسال الرسل لتقصّي الحقائق الكافية.

في هذه الغزوة حقّق النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في عدالة القائد، من خلال توزيعه للمكافآت (الغنائم) بين أصحابه (فريق العمل) بالتساوي، وأعطى حصّة منها لعدد من الصحابة الذين لم يحضروا الغزوة، لكنهم كُلفوا بأعمال أخرى تتعلق بالمعركة، بالإضافة إلى أنّه لم يحاب أحدًا حتى ولو كان من أقربائه وذلك حين رفض ترك فداء عمه العباس لمّا طلب منه ذلك عدد من الصحابة الأنصار.

أمر آخر في غاية الأهمية وهو مدى أهميّة قرب القائد من فريق عمله، ومشاركتهم بعض المهام، وتشجيعهم على الإنجاز، والاطلاع عن قرب على طبيعة أعمالهم، ووضع الملاحظات لتقييم مسار العمل، وهكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.

في جانب التدريب والتطوير واستغلال الفرص المتاحة لتطوير الكفاءات حرص النبي صلى الله عليه وسلم على وضع شرط فداء الأسرى الذين لا يملكون المال بتعليم أبناء الصحابة الكتابة والقراءة.

الدرس الأخير الذي نستنبطه من غزوة بدر ونحن نعيش أيام شهر رمضان المبارك، أن رمضان شهر عمل وإنجاز وليس شهر نوم وكسل، وهو شهر الانتصارات الكبرى كغزوة بدر الكبرى، وفتح مكة وغيرها من الفتوحات.

 

استشاري تدريب وتنمية بشرية وتطوير مؤسسي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X