fbpx
كتاب الراية

خواطر.. النداء الأخير

التعبّد ليس في المساجد فحسب بل في كل نبضات حياتنا

«النداء الأخير» جُملةٌ فقدت معانيها، بعد أن صارت تستخدمُ في المطارات والتخفيضات الموسميّة، ومن مرادفاتها: «آخر يومين، اغتنموا الفرصة، تبقّى ساعتان، لا تفوّتوا العرض»، وما إلى ذلك من استنجاد التُجّار، لنمنحهم أموالنا، مقابل تكديس الطعام والكساء والأجهزة، فالقديم ليس له قطع غيار، والجديد سريع التلف وعمره قصير، جنّبكم الله الوقوع في خدعة الضمان، التي لا تُطبقُ كما يجب.

الإعلانات التسويقية هي ركائز القنوات التي ننتقدها، فنحن من يدفعُ أجرة الممثلين والبرامج التافهة، بينما يَمُرُّ شريط الأخبار العاجلة، عن الحرب على أوكرانيا، وعن ارتقاء شهداء المسجد الأقصى وغيره من الدول العربية المنكوبة، وعن مظاهرات تنددُ بغلاء المعيشة، وانقطاع الكهرباء، وإفلاس لبنان، كأننا لم نستفد درسًا من الجائحة، ولا من تحذيرات المُحللين الاقتصاديين والسياسيين من تداعيات الحرب التي لم تتوقف منذ بدء الخليقة، سوى في موقعها الجغرافي.

يُعاني العرب من تبلُّد عاطفي في التفاعل مع الحرب الروسية الأوكرانية، فهُم أكثر الشعوب وعيًا بمكائد الغرب، وتخريبهم للدول العربيّة بالفوضى والفِتَن، وعلى إدراك باستفادة صُنّاع الأسلحة، والمُحتَكِرين، للمؤن ومصادر الطاقة، التي ستنتهي بالقتال على الماء، فهل سيقضون ما تبقّى من العمر في تَرَقُب النهايات واندثار الحضارات وإفلاس بلادهم. المُفكّر الجزائري الراحل «مالك بن نبي» قالَ: «إنَّ الحضارة تصنعها فكرةٌ دينيَّة ومبدأ أخلاقي مِن خلال التأليف والتوحيد بين عناصرها الثلاثة: «الإنسان والتراب والوقت»، وتشهدُ ثلاثةَ أطوار: طور النهضة والميلاد، وطور الازدهار والأوج، وطور الفساد والأفول. ويرى أن ما ينقصُ المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكرُ ليعمل، بل ليقول كلامًا مجردًا، فالكلمة التي لا تحملُ نشاطًا مُعينًا، كلمةٌ فارغةٌ ميتةٌ مدفونةٌ في نوع من المقابر يُسَمّى القاموس، ولا يُقاس غنى المجتمع بكمية ما يملكُ من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار قابلة للتنفيذ، لقد غاب عن أذهان الشعوب العربيّة أن الحق ملازم للواجب، وأن الشعب هو الذي يخلقُ ميثاقه ونظامه الاجتماعي والسياسي الجديد عندما يُغيّرُ ما في نفسه، فالاستعمار يعكسُ ما وصل إليه الشعب من انحطاطٍ، مُتعذرًّا بسياسة حكومته، فالنهضة تتطلبُ التغيير الذاتي، بالتخلص من الروح التي تؤهلُ صاحبها للاستعمار. والتعبّد ليس في المساجد فحسب، بل في كل نبضات حياتنا، في اتقاء الله والإخلاص في التعامل والعمل، إخلاصًا يحققُ إرادته في التكوين البشري الإنساني. لذا، ليس من المستغرب في ظروف الانحطاط أن تفقدَ الكلمات معانيها وأن تفرغَ من مضامينها التي تكفلُ لها قيمتها الاجتماعية، فالكلام ذو قدسية حين يُنبئ عن عمل ونشاط، لا عن مجرد رصف للألفاظ كما يحدثُ في الخطب الانتخابية، الجهل في حقيقته وثنية لأنه لا يغرس أفكارًا، بل يُنَصِّبُ أصنامًا، فالحرية عِبء ثقيل على الشعوب التي لم تُعَدّ لتحمل مسؤولية الاستقلاليّة، أُناسٌ يطالبون بحقوقهم، مُتجاوزين واجباتهم الأسريّة، والتربوية، والوطنيّة».

إن الغرب لا يمكنه التأسيس لحضارة إنسانية عالمية لأن إمبراطوريته عسكرية تفرضُ هيمنتها على العالم، والإسلام هو السبيل الوحيد القادر على تبسط الحضارة البشرية بعد إفلاس جميع الأيديولوجيات والديانات الوضعية والسماوية. وهذا ما أكَّدَتهُ ردود أفعال الغرب ضد روسيا، وكشف النقاب عن العنصريّة البغيضة في الحروب ضد العرب، قد تكون هذه الحرب النداء الأخير للفطام عن الاستعمار.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X