كتاب الراية

خواطر قلم.. والصّيَامُ جُنَّة

الصيام يمنع معاصي الدنيا.. وحصن في الآخرة من دخول النار

يسعدُ الصائمونَ ويقطفون ثمرة صومهم عندما يحفظونه مما يؤثر فيه ويخلّ بحقيقته، فالصيام ينبغي أن يكون حصنًا في الدنيا يمنعُ صاحبه من الوقوع في المعاصي والمحرمات وحصنًا في الآخرة يمنعُ صاحبه من دخول النار، ولذلك ورد في الحديث (والصيام جنة) أي: يجوز أن يكونَ جُنَّةً في الدنيا: أي يكون حائلًا وساترًا من المعاصي ومن السَّفَهِ على الناس وغِيبتِهِم ومن مجازاةِ من أساءَ إليهم قولًا وفعلًا، ويجوز أن يكونَ جُنَّةً في الآخرةِ من النَّارِ: فكما أنَّه لا سبيلَ للنار على مواضعِ الوضُوءِ من العبدِ؛ فيجوز ألا يكونَ للنَّارِ سبيلٌ على جميع بدن الصائِمِ لأنَّ الصومَ يعمُّ جميعَ البدنِ، في الحديث يقول رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم: (الصِّيامُ جُنَّةٌ من النَّارِ كجُنَّهِ أحدِكم من القِتالِ).

ومعنى الجُنَّة: الأشجار الساترة، فكلُّ بستانٍ ذي شجر يستر بأشجارِهِ الأرضَ يسمى جَنَّة أو جُنَّة أو جُنينة – بالتصغير – قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ…)، وقال تعالى (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ…)، وقال تعالى (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ…).

وكل مستور خفي يسمى جَنينًا، فالحمل في بطن أمه يسمى جنينًا (وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)، والمقبور يسمى جنينًا لخفائه.

وسُمِّيت الجَنَّةُ في الآخرة بهذا الاسم: إما تشبيهًا لها بالجنَّةِ في الأرضِ وإن كان بينهما بونٌ شاسعٌ، وإمَّا لسترِهِ عزَّ وجل نِعمًا عنَّا لا تُرى إلا في الآخرة وهي المشارُ إليها بقوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

قالَ ابن حجر رحمه الله: فالحاصلُ أنَّ الصائمَ إن كفَّ نفسَهُ عن الشهواتِ في الدُّنيا كان ذلك ساترًا له من النارِ في الآخرةِ.

وقد أرشدنا الله عز وجل عن الكيفية التي نحفظُ بها صيامنا ليكون ساترًا لنا من دخول النار فقال صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ…)، وفي روايةٍ (ولا يسخَب…)، وفي رواية (فلا يرفُث ولا يجهَل…).

والرفثُ هنا: الكلام القبيح والشتم والسفه والخنا والغيبة والمراء والجفاء، ونحو ذلك، والصخب والسخب هما بمعنى واحدٍ: الرجَّة واضطراب الأصواتِ للخِصام؛ أي لا يرفع صوتَهُ ولا يغضب على أحد.

والجهلُ هو ما لا يصلحُ من القولِ والفعل، والجهلُ خلافُ الحكمةِ، ومن الجهلِ: التعدي والحماقة وإساءة الأدب وانتهاك الحُرُمَاتِ والصِّياح والسَّفَه وغير ذلك، وفي الحديث: (من لم يدع قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ والجهلَ فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه).

والنَّهيُ عن الرَفَثِ والجهلِ في الحديث ليس معناه حِلّهُ في غير الصيام وإنما هو تأكيدٌ لحرمةِ الصِّيامِ، ومثل ذلك قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)، فالخشوع مطلوبٌ في غير الصلاةِ لكنه في الصلاة آكد، وكما قال عز وجل في الأشهر الحرم: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، فالظلم في غير أشهُرِ الحجِّ محرمٌ لكنه في أشهرِ الحجِّ أعظم حرمة، فينبغي للصائم أن يعظِّم من شهرِ رمضان ما عظَّم اللهُ ورسولُه.

اللهم تقبل منا طاعاتنا واجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيمانًا واحتسابًا.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X