كتاب الراية

خواطر قلم.. الرجاء في ليالي العشر

اللهم علق قلوبنا بك وأعنا على ما يرضيك وجنبنا ما يسخطك

الرجاءُ عبادة من أجلّ العبادات وأعظمها، ومعناه الاستبشار بجود الله وفضله تعالى والارتياح لمطالعة كرمه ومنّته، والمؤمن مطالبٌ بأن يُعظِمَ الرجاء في ربِّه عز وجل مهما كان تقصيره وتفريطه، دخلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: كيفَ تجدُكَ؟ قالَ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ) وهذا مصداقٌ للحديث القدسي في قوله تبارَكَ وتعالى (يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقُرابِها مغفرةً).

ومن أعظم الأوقات التي ينبغي أن يعظم فيها الرجاء في الله تعالى وعفوه ورحمته هَذِهِ اللَّيَالِي المُبَارَكَةِ – ليالي العشر الأواخر مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ – فَالرَّغْبَةُ فِي اللهِ تَعَالَى عَظِيمَةٌ عندما يَخْلُو بِهِ العَاكِفُونَ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ الدَّاعُونَ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ القُلُوبُ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ يَرْجُونَ رَحْمَته وَمَغْفِرَتَهُ قال الله تعالى (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقنَٰهُم سِرّا وَعَلَانِيَة يَرجُونَ تِجَٰرَة لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزِيدَهُم مِّن فَضلِهِ إِنَّهُۥ غَفُور شَكُور)، فيجب على أهل الرجاءِ أن يتفقدوا قلوبهم ويرابطوا على طاعة ربهم ويروا تقصيرهم في حقِّه مهما عملوا، وأن يجعلوا الاستغفار قرينهم، والذكر أنيسهم، فلا تفتر ألسنتهم عن الشكر والذكر، وقد وصف الله تعالى الصحابة رضوان الله عنهم لما كانوا أهل رجاء بقوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وأثنى على رجاء المتهجدين بقوله تعالى (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، وفي دعائهم يقول تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)، ففي تهجدهم رجاء، وفي دعائهم رجاء، فلم يتعلقوا بالرجاء بلا عمل، ولا عملوا بلا رجاء.

ومن المواطن التي يعظم فيها رجاء المؤمن بربه عندما ينزل الله تعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فيَقُولُ (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) فكيف بليالٍ نعيشها الآن قد خبِّئت فيها أفضل ليلة في العام كله؟! وما أعظمها من ليلة وما أجلَّها وأكرمها وما أوفر بركتها، ليلةٌ واحدة خيرٌ من ألف شهر – تزيد على ثلاثة وثمانين عامًا – فحري بالعبد المسلم أن يجتهدَ في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة ويتحرى خيرها وبركتها، ثم ليتخير من الدّعاء أجمعه، قالت عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسولَ الله أرأيتَ إنْ علِمْتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدْر ما أقول فيها؟ قال (قولي اللَّهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي).

اللهم علق قلوبَنا بك وأعنا على ما يرضيك وجنبنا ما يسخطك، اللهم اقبل عملنا واغفر ذنبنا وتجاوز عن تقصيرنا، نحن عبيدك الذين لا يرجون سواك ولا يعبدون إلا إياك، اللهم أعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار وتوفنا وأنت راضٍ عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X