المحليات

نفحات رمضانية …. مراكب ومواكب

تعدُ المواكب الرسمية من أهمّ مشاهد العيد التي كانت الدولة تحرصُ عليها، وتظهر من خلالها هيبتها وقوتها واعتداد حكامها بأبهة سلطانهم، وفي تفاصيلها العجبُ العجاب. فقد أورد ابن الجوزي -في «المنتظم»- ضمن رصده لأخبار الخليفة العباسي المقتفي أنه «خرج الموكبُ يوم العيد بتجمُّل وزِيٍّ لم يُرَ مثله من الخيل والتجافيف والأعلام وكثرة الجند والأمراء»! وكانت للعباسيين عادات في العيد سبق منها حملُ الحربة التي تُنسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتشبهها أيضًا «البردة» المنسوبة إليه والتي توارثها بنو العباس خلَفًا عن سلف، فكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إلى النبي في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب ويبهر به الأبصار، ويلبسون السواد «وهو شعارهم» في أيام الجمع والأعياد». وكان العيدُ أحيانا مناسبةً لتذكير الأمّة بمقام الخليفة باعتباره الملك المتعالي على رعيّته حتى كبار موظفيه وخاصته، فلم يكن من عادته أن يجلس أحد بجواره يوم العيد، فقد جاء عند الذهبي -في «تاريخ الإسلام»- أن قاضي الفاطميين عبد العزيز بن محمد بن النعمان «عَلَتْ رُتبته عند «خليفتهم» الحاكم إلى أن أصعَده معه عَلَى المنبر في يوم العيد».

ومن عجبٍ أن تجد عدم إجلاس أحدٍ إلى جوار الحاكم الأعلى أو سيره بمحاذاته في الموكب أمرًا ينافح عنه المؤرخون، يقول ابن تَغْرِي بَرْدِي: «وفيها صلّى «الخليفة» المكتفي بالناس يوم عيد النحر، وكان بين يديه ألوية الملوك، وترجّل الملوك والأمراء بين يديه ما خلا وزيرُه القاسم بن عُبيد الله فإنه ركب وسايره دون الناس، ولم يُرَ قبل ذلك خليفةٌ يسايره وزير غيره»! ثم يضيف ابن تغري بردي معقّبًا: «وهذا أوّل وهنٍ وقع في حقّ الخلفاء! وأنا أقول: إنّ المعتضد هو آخر خليفة عقد ناموس الخلافة، ثم من بعده أخذ أمر الخلفاء في إدبار إلى يومنا هذا».

ورغم أنّ الصحابة الكرام كرهوا حمل السلاح في العيد -إلا ما كان من شأن الحربة النبوية- حتى بوَّبَ الإمام البخاريّ -في صحيحه- بقوله: «باب ما يُكره من حمل السلاح في العيد والحَرَم»، فقد تأصّل -منذ حكم الأمويين- تقليدُ تنظيمِ الاستعراض العسكريّ. ثم لم يلبث خلفاؤهم أن جعلوا حمل السلاح من مظاهر العيد، فقد ذكر المؤرخ ابن الأثير أن الخليفة يزيد بن الوليد كان «أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صَفَّين عليهم السلاح»! ثم صارت هذه عادةً تواطأ عليها الخلفاء والملوك حتى من أعداء بني أمية كبني العباس والفاطميين.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X