كتاب الراية

خواطر قلم.. إنزال الناس منازلهم

ما أجمل أن نتخذ هذا المنهج النبوي السامي منطلقًا لنا في تعاملنا مع الآخرين

من أعظم ما يحفظ على الناس مشاعرهم أن تُحفظ لهم أقدارهم، وأن يُنزلوا منازلهم؛ فللعالِم حق وللوجيه حق وللوالد حق وللكبير حق وللمعلم حق، فكلٌ يعطى منزلته اللائقة به، فالبعض له حق الإكرام والتوقير والبعض له حق الرحمة والرعاية والملاطفة، ورعاية هذه الحقوق بلا شطط، تحفظ على الناس كرامتهم، وقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُنزل الناس منازلَهم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم كرماء القوم وسادتهم ويُنزلهم منازلهم، فهذا جرير بن عبدالله البُجلي لما قَدِمَ المدينة، ودَنا من المسجد أناخ راحلته ولبس حُلته وأقبل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك)، قال جرير فحمدت الله على ما أبلاني.

وهذا وائل بن حُجْر لما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ترك مُلكًا عظيمًا وطاعة عظيمة وقدم إلى المدينة، فبشر النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمه قبل أن يقدم بثلاثة أيام، قال وائل: ثم لقيته صلى الله عليه وسلم فقرَّب مجلسي وأدناني وبسط لي رداءه وأجلسني معه وقبِل إسلامي، ثم صعد إلى المنبر وأصعدني معه فقمت دونه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيين وقال: (هذا وائل بن حجر أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت طائعًا غير مكره، راغبًا في الله عز وجل وفي رسوله وفي دينه، بقية أبناء الملوك، اللهم بارك في وائل بن حجر وفي ولده وولد ولده)، ثم أنزلني معه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبته الملوك والرؤساء يُنزلهم منازلهم ويحفظ لهم مكانتهم فإذا كتب كتابًا إلى أحد منهم أنزله منزلته اللائقة، فمن ذلك مثلًا مخاطبته لقيصر الروم بقوله: (من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم)، فالسادة والكرماء والوجهاء الذين ألِفُوا حياة الاحترام والتقدير بحاجة إلى أن يعاملوا بالتكريم والاحترام وأن يُنزلوا المنزلة اللائقة بهم، وكما ورد في الأثر (إذا أتاكم كريم قوم أكرموه).

فما أجمل أن نتخذ هذا المنهج النبوي السامي منطلقًا لنا في تعاملنا مع الآخرين فالمتحدث مثلًا يجب عليه أن يراعي مستوى المستمعين له من حيث العلم والمكانة والثقافة والسن والعادات، فمعرفة أحوال المخاطبين من أهم الأمور التي تلزم المتحدث أيًا كان مركزه؛ ليكون على علم بما يؤثر في النفوس، فالناس لهم مستوياتهم الثقافية والاجتماعية ولهم عاداتهم وتقاليدهم فلا يخاطبون جميعًا بأسلوب واحد، وفي خطابه -عز وجل- لموسى وهارون عليهما السلام عندما أرسلهما لفرعون أوضح مثال: فقد أمرهما بقوله: (فقولا له قولًا لَيِّنًا)، وكما في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله…) فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم لمعاذ حال المدعوين بأنهم أهل كتاب وليسوا مشركين أو وثنيين، فينبغي أن يفرق في أسلوب خطابه بينهم وبين عبدة الأوثان الذين لا يتفقون معه في شيء من أصول العقيدة أو أساسيات الإيمان.

إن تمثلنا لهذا المنهج النبوي الرفيع يحتم علينا أن نعرف قدر والدِينا فنعاملهم بما يليق بمنزلتهم فلا نخاطبهم بأسمائهم ولا نرفع أصواتنا عليهم ولا ننشغل عن حديثهم ولا نرفض طلبًا لهم، وكذا المعلم له منزلته الكبيرة لما له من فضل كبير بعد الله في التربية والتعليم، ويتدرج الناس في منازلهم فكل له منزلته.

ومن المواطن التي ينبغي فيها إنزال الناس منازلهم عند توجيه الدعوات في الأعراس والمناسبات، فلا يصح أن يتساوى المدعوون في ذلك، فهناك من الشخصيات من ينبغي الذهاب إليه وزيارته وتوجيه الدعوة له مشافهة لمكانته الكبيرة، وهناك من يتم الاتصال به هاتفيًا وتوجيه الدعوة له، ومن الناس من يكفي في دعوته إرسال بطاقة الدعوة له على جواله، وهكذا بقية الناس.

إذا المرء لم يعرف لذي القدر قدره

فليس إلى أسرِ القلوبِ سبيلُ

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X