fbpx
المنتدى

السنكحة والسنكوح.. والشيخ الشعراوي !

السناكيح يتطفلون على موائد الفكر ليتحوّلوا إلى أرقام في ساحة الفكر وميادين الاستنارة !

بقلم /سليم عزوز ( كاتب وصحفي مصري )

«السنكوح» هو هذا الشخص الذي يمارسُ «السنكحة» فيتطفل على الموائد، ويسير في الشوارع مُتنقلًا بغير هُدى!
وقد وصل بنا الحال أن نرى «سناكيح» يقومون بـ «السنكحة» في مجال الثقافة والفكر والإبداع، وقد وجدوا فراغًا فتمددوا فيه، فمصر التي عرفت طه حسين، وفؤاد زكريا، وسعيد العشماوي، وزكي نجيب محمود، فقدت كل هؤلاء لتكون الساحة خالية، بما يُغري كل «سنكوح» لم يحقق مجدًا في مجال تخصصه، ليذهب إلى حيث ممارسة «السنكحة» في مجالات لا رقيب ولا حسيب عليها، ويكفي أن يقول أحدهم كلامًا بلا معنى حتى يحصل على لقب المفكر المستنير، ولا بأس فقد صارت إحدى الفنانات هي المخوّل لها منح هذا اللقب، وقد منحته، مشكورة، لنفر من القوم في الفترة الأخيرة!
يفتشُ «السنكوح» في دفاتره القديمة، فيتحرش بالكبار، ليس معنيًا إن كان «الكبير» ميتًا أو على قيد الحياة، فالمهم أن يهاجمه لعله ينال من صيته نصيبًا، حتى صار الهجوم على الشيخ الشعراوي، عملًا موسميًا يقوم به «السناكيح» في «المواسم» و«الأعياد» لأنهم بطبيعتهم لا يقدمون فكرًا ولا ينتجون ثقافة، ويعيشون عالة، ليس فقط على أفكار الآخرين، فيستدعونها بالنقد، ولكن على أسمائهم، فلا مقالَ مكتملًا، ولا بحثَ رصينًا، ولا موضوعَ من بنات الأفكار، فقط هي «السنكحة» وها هم يمارسون «السنكحة» على عالم جليل، رحل، وليتهم درسوا كامل الإنتاج الفكري للرجل، أو قاموا بنقده، فهم لا يملكون الجَلَدَ لذلك، وليس في قدرة «سنكوح» أن يأخذ الأمور بجدية!
بعد العمر الطويل الذي قضاه الشيخ محمد متولي الشعراوي، داعيةً، ومفسرًا، وخطيبًا، ومشتبكًا مع السياسة والتصوف والحياة، ليس لديهم عليه غيرَ مأخذين، يجري التعامل معهما على أنهما رأس كل خطيئة، الأول موقفه من طلب العلاج في الأمراض الميئوس من علاجها، والثاني هو قوله إنه سجد لله عندما علم بخبر هزيمة يونيو، يعيدون ويزيدون في الموقفين في كل موسم، ولا جديد يُذكر ولا موقف يضاف!
ولم تكن للشيخ الشعراوي حصانة حتى عندما كان وزيرًا للأوقاف، فيهاجمه الشيخ كشك، وهو موظف في وزارته عندما قال الشعراوي لو كان بيده شيء من الأمر لرفع السادات لدرجة من لا يُسأل عما يفعل، ورغم أن الشيخ كشك كان حادّ النبرة، وقد أهاج الجماهير، وهو يسأل: من الذي لا يُسأل عَّما يفعل يا شعراوي؟، وفي كل مرة يهتف المصلون بلفظ الجلالة: الله، فإنه مع هذا لم يعاقب على ذلك، وقد قرأت مذكراته كاملة، ولم أجد أي إشارة ترتبت على هذا الموقف!
لكن من الخطأ أن نمسكَ في موقف نعيد فيه ونزيد، وننسى أن الشعراوي وهو في منصبه -وزيرًا للأوقاف- تصدى لفساد الضابط محمد توفيق عويضة، ويعزله من منصبه كمسؤول عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، منذ أن عينه عبد الناصر في هذا الموقع، حيث بدا الرجل أكبر من أي وزير، وقد انفصل واقعيًا بالمجلس عن الوزارة، وعزلُه كان على غير إرادة سيدة مصر الأولى، التي غضبت على الشيخ لذلك، وزاد غضبها عليه عندما دعته ليحاضر في تجمع نسائي بمصر الجديدة، فلما دخل ووجدهن سافرات غير محجبات، انصرف وتركها في حرج شديد، ما أثار غضبها وأعلنت لمقرّب منه أن يبلغه إنها «ستشيله من الوزارة» فلما بلغه ذلك قال ومن قال لها إني حريص على الوزارة؛ لقد طلبت تركها أكثر من مرة ولكنهم رفضوا!
ولعل هذا هو السبب في أن نائب رئيس الوزراء فؤاد محيي الدين لم ينقل إليه رغبة السادات في تعيينه شيخًا للأزهر، وعاد للرئيس يخبره بأن الشيخ الشعراوي رفض توليه هذا المنصب، وسلم السادات بالمنقول إليه، لأنه في سابقة تعيينه وزيرًا رفض العرض، ولم يقبل إلا بعد محاصرة السادات له.
ولم يكن رجلًا مُقبلًا على المناصب، فإذا كانت تيارات كبرى، وأحزاب يتطاول رموزها عليه، قد بيعت بمقعد في مجلس الشورى، فإن السادات عندما عيّنه عضوًا في هذا المجلس عند تأسيسه، رفض حلف اليمين، ولم يدخل المجلس إلى انتهاء الدورة!
وقد كان الشعراوي في شبابه وفديًا، ينتمي لحزب الأمة المصرية، وعرف النحاس عن قرب، وخرج في مظاهرات تندد بالاحتلال الإنجليزي لمصر، فليس لأحد أن يزايد على وطنيته، وليس لـ «سنكوح» أن يعتقد أنه قادر أن ينال منه لموقفه من هزيمة يونيو 1967، وقد كان موقفه هذا هو الموضوع الثاني الذي يستدعيه هذا «السنكوح» أو ذاك، مع أنه لم ينفرد بهذا الموقف!
إن عبد اللطيف البغدادي، أحد الضباط الأحرار، وعضو مجلس قيادة الثورة، ثم المجلس الرئاسي، قال في مذكراته إنه حمد الله على هذه الهزيمة، التي لولاها لكان عبد الناصر قد تألّه، وقال: «لقد أخذنا لنعود بذاكراتنا إلى التصرفات في الجيش، وأسلوب الحكم، وهذه نهاية كل نظام مثل هذا النظام، ومقامرة جمال عبد الناصر بمستقبل الأمة بأكملها في سبيل مجده الشخصي، وكنا نعرف من قبل أنه يقامر وكنا نندهش بهذا التصرف…»
ويقول: «… ربما تكون خيرًا من يدري؟، فربما أراد الله إنقاذ هذه الأمة من استعباد جمال لها ومن تأليههم له» !
لقد ربطَ أحد هؤلاء «السناكيح» بين الشعراوي، وتنظيم داعش الذي ارتكب جريمة مقتل الجنود في شرق القناة مؤخرًا، وباعتبار القتلة أحفاد هذا الشيخ الذي سجد لله شكرًا على هزيمة مصر في 1967، ولو كانت مصر تهمهم حقًا ولو كانت الهزيمة ترهق ضمائرهم فعلًا، لكان هجومهم على عدم محاكمة المسؤول عنها، كما يحدث في الأمم المتمدّنة، لكنهم في الأساس لا يعبرون عن التمدّن أو الاستنارة، ولكنهم مجرد سناكيح، يتطفلون على موائد الفكر، ويتحرشون بأسماء الكبار، لعلهم بهذا التطفل، وذلك التحرش يتحولون إلى أرقام في ساحة الفكر وميادين الاستنارة!
إن ما خبُثَ لا يخرج إلا نَكِدًا!

 

[email protected]

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X