fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة … ما بين الابتعاد والتقرب

العلاقات في ميزان التقييم من رعاية أو تجاهل

في ظاهر الأمر، فإنه من المتعارف عليه أنه على قدر ما تحتويه القلوب من محبة وما تظهره العقول من انسجام، على قدر ما يكون الناس أكثر تقربًا وأنشط تفاعلًا والعكس صحيح، فغالبًا ما نتجنب التقرب ممن لم ينالوا من قلوبنا حيزًا من الحب والود، وممن لم يستطع الفكر أن يجد عند عقولهم ممرًا أو مستقرًا…

هذا ما يبدو عليه الأمر في الظاهر وفي الأغلب، لكن يبقى هنالك جانب عكسي تمامًا تضطرنا إلى تبنّيه معطيات الواقع وظروف الحال، فتجدنا نبتعد حيث يفترض أن نكون الأقرب، ونقترب حيث من المتوقع أن نكون الأبعد.. والسبب بكل بساطة لأننا فعلًا في مثل هذه الحالات نبالي ونهتم.إن العلاقات الإنسانية عندما تدخل مجال التفاعل المباشر وحتى تبقى قائمة ومستمرة، لا بد أن تتسم إما بعنصر التقبّل الذي يغذّيه الودّ الدائم والتفهّم المتبادل بالحد الأدنى، أو بعنصر الحب المُفعم بالمشاعر العاطفية بالحد الأقصى، ونحن إذ نسعى إلى رعاية علاقاتنا مع الآخرين إنما ننطلق من حجم الأثر الذي تحدثه تلك العلاقات في نفوسنا وفي حياتنا ككل، ومن نوعية هذا الأثر إيجابًا أو سلبًا، فنسارع إلى رعاية كل علاقة أحدثت فينا جميلَ الأثر، ونعمل جاهدين على إبقاء كل حدث وكل حديث مرتبط بها حاضرًا في أذهاننا، وكأننا نأبى أن يسرقه منا النسيان فيأخذ معه جزءًا منا لا نرغب بالتنازل عنه أبدًا.

ولكن، قد نتواجه في بعض العلاقات بوضع يدفعنا إلى التصرف على نحو مختلف لما نحب ونرغب درءًا للأذى عن أنفسنا أو عن الآخر فنتجرد فيها من كل أنانية وحب للذات، ونقبل بأن نتنازل عما تحققه لنا من امتيازات شعورية رائعة، لا لشيء، إنما لأننا نتطلع فيها إلى ما هو أوسع من إطارها الضيق والآنيّ فنجد أنها على المدى البعيد لن تحقق إلا الخسائر لأطرافها، وبأنه رغم جمالها ولذّتها في الجانب الشعوري فإن ضرَرَها في جانبها الإنساني، سوف يكون أكبر وأعظم، وما كان ضررُه أكثر من نفعِه لا بد من تجنّبه.

هذا هو حال الصداقة التي تغيّرت نفوس أشخاصِها، ولأننا لا نريد أن نشوّه ما سجلته في حياتنا من ذكريات جميلة، نبدأ بالابتعاد، هذا هو حال العلاقات التي آنست الجانب الاجتماعي في حياتنا لكن أطرافها تعرّت أخلاقُهم أمام رياح المواقف، فلم نجد بُدًا إلا بالتجاهل والمُضيّ، هذا هو حال التعارف الذي يتفاعل معه القلب قبولًا والعقل انسجامًا، ولكنه يختزن أملًا بتحقيق مصلحة لا نملك أية قابلية لتلبيتها فنضطر أن يكون جوابنا عمليًا بالانسحاب.

إننا نحتاج من وقت لآخر أن نعيد تقييم علاقاتنا تقييمًا موضوعيًا لنتعرف أو على الأقل نستذكر دورَها في حياتنا، الثراء الذي تحمله لعقولنا الحيوية التي تضفيها على مشاعرنا، فنتخذ حيال كل منها ما يليق من رعاية، تجاهل أو ابتعاد.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X