fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. كبار القوم

هل وصلنا إلى مرحلة خطيرة من الاستلاب؟

قبل أن نخوضَ في موضوعنا لهذه المقالة، أودُ عزيزي القارئ أن أحكي لك عن حادث شاهدته بعيني وحضرته. ففي أحد الأيام كنت مسافرًا على الطائرة، أثار انتباهي أن مسافرين كانا قد قطعا تذكرتيهما للسفر في الدرجة الأولى، إلا أن خطأ في الحجز جعلهما يركبان معنا في الدرجة السياحيّة، وذلك بعد جهد جهيد وانتظار وترقب لآخر الدقائق قبل إغلاق الأبواب لعل أحدًا يتخلفُ عن الرحلة ليتمكنا من العودة للدرجة الأولى، لكن لم يحصل ذلك، فعادا بخفي حنين وركبا يطأطئان رأسيهما، ونفسيتهما مدمرتان لهذا المصاب الجلل!

إذا نظرتَ للأمر بعين المنطق فلا إشكال فيما حصل، فلا عيب في الدرجة السياحية ولا في غيرها، فغاية السفر هي أن تصلَ لمقصدك سالمًا. لكن المشكلة في تلك الهالة وذلك التوهم الذي بناه هذان الشخصان وغيرهما ممن يرون أنفسهم كبار القوم وسادته. فمكانتهم من الطبقة المخملية لا تسمحُ لهم بأن يشاركوا أبناء الطبقات الدنيا نفس المكان ولو لساعات قليلة!

كنت أراقبُ هذين الشخصين وهما في صالة الانتظار ويغطيان وجهيهما بالكمامة متوترين، مقتصدين في حركاتهما وكلامهما، يتحاشيان أن ينظرا للمسافرين بجانبهما حتى لا يتعرف عليهم أحد ويقول إن فلانًا ابن فلان يركب في الدرجة السياحية للطائرة. فكانا يتمنيان أن تطوى بهما الأرض ويصلا في لمح البصر. فلمَ كل هذا التوتر النفسي؟ وهل له أي مبرر؟ وهل أنت أيضًا أيها القارئ العزيز تهمك نظرة المجتمع وإن لم تكن قد ارتكبت أي خطأ حتى تخشى المجتمع وتقليله لك، فقط لأنك ركبت في الدرجة السياحية أو جلست في مكان تجلس فيه باقي طبقات المجتمع، أو لأنك قمت بأي أفعال لا يجرمها القانون ولا مخالفة فيها، إلا أن المجتمع قد صنفها أفعالًا طبقية. وهل منعتنا المظاهر أن نعيش حياتنا كما نشتهي، وهل سيطر علينا المجتمع لدرجة صرنا ننقاد وراءه بلا حرية؟

فهذان الشخصان اللذان يحملان حقيبة فاخرة يصلُ ثمنها إلى آلاف الدولارات، حقيبة في الأخير لن تجد داخلها سوى أدوات للزينة أو بعض الكتب، وإن كنتُ أستبعد هذا الأخير، فالذي يقرأ الكتب لن يهتمَ بالمظهر لهذه الدرجة.

إن سبب ذكري هذه القصة هو أن نتدبرَ منها ونرى هل وصلنا إلى مرحلة خطيرة من الاستلاب، حتى صرنا نصدق حقًا أن هناك حدودًا بين الطبقات الاجتماعية التي خلقتها الرأسمالية وزكّتها العولمة، فأصبح أصحاب الطبقة العليا، وإن كانوا يتقاسمون معنا نفس الوطن، إلا أنهم يتحرجون منا ويعتقدون أن مخالطتنا انتكاسة لهم وانحدار خطير لا يطاقُ بالنسبة لهم، وهل أصبح للمظهر تلك الأهمية التي تفوقُ أهمية أي شيء آخر في الإنسان، وإن نوع الحقيبة والملبس الذي نضعه على أجسادنا المترهلة المتهالكة هو الذي يحددُ أين نجلس ومع من نتكلم وكيف نعيش حياتنا.

ولعلي في هذا المقام أتذكر دائمًا الأبيات الخالدة لزهير بن أبي سلمى، التي يعطي فيها زبدة هذا الموضوع:

وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَةٍ

وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ

وَكَائن تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِب

زِيَادَتُهُ أَو نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ

فَلَمْ يَبْقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ

هذه الأبيات التي قالها زهير في جاهلية كانت تؤمن بالطبقية وبالأصل وبالمظاهر وبمفهوم «كبار القوم»، قبل أن تأتي رسالة الإسلام وتمحو هذه المظاهر وتعيد الإنسان لقيمته الحقيقية. لكن، للأسف، ما أشبه الليلة بالبارحة!

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X