fbpx
المنتدى

ألحان من السماء !

الشيخ حسن صالح ينتمي صوتًا وتميزًا للجيل القديم من القراء

بقلم/ سليم عزوز:

تذكرت أنني لم أقرأ «كتاب ألحان من السماء» للكاتب الكبير محمود السعدني، الذي كتب فيه عن مشاهير قرّاء القرآن الكريم، وإن كنت قرأت كثيرًا عمّا نشر عن الكتاب، سواء تلخيصًا له، أو تناولًا في بعض الأعمدة والمقالات بالصحف!

كان السعدني أحد «السَّمّيعة» الذين أجادوا السمع لقراء زمانه، ثم أجاد الكتابة عنهم، وكان قريبًا من المعاصرين منهم، وكثيرًا ما شاهدنا الشيخ محمود الطبلاوي معه في نادي الصحفيين، عندما كان يتولى منصب رئيس مجلس إدارته، وحوله لنوعية ضيوفه، ومن وزراء داخلية سابقين، إلى فنانين، وشيوخ، إلى دوار العمدة!

لا أعتقدُ أن أسرة السعدني وجدت مشكلة في التعامل مع الطبلاوي، عقب وفاته، للقراءة عليه، فعلى الرغم من أنه ليس مجاملًا، إلا أنه عندما هاتفه إبراهيم سعدة للقراءة في عزاء «أخبار اليوم» لمصطفى أمين، قال إنه لن يتقاضى أجرته على القراءة، لا من أسرة الفقيد ولا من دار أخبار اليوم، إكرامًا للكاتب الكبير.

لكن في المقابل، استمعت إلى حوار بينه وبين مكرم محمد أحمد عندما كان يشغل موقع نقيب الصحفيين، وقد تولت النقابة مهمة إقامة عزاء النقيب الراحل كامل زهيري، وحرص مكرم أن يمهد لذلك، لأنه كان يدرك أنه قادم على إبرام صفقة مع شخصية وعرة، ومسقط رأس الاثنين محافظة المنوفية!

– أعرفك يا شيخ محمود منذ خمسة وثلاثين عامًا، لم يحدث أن طلبت منك شيئًا، لكن النقابة تقيم عزاءً للأستاذ كامل زهيري..!

وكان الرد، أنه يتقاضى في الليلة عشرة آلاف جنيه، وإكرامًا له وللنقابة سيحصل على ستة آلاف فقط، ودخل مكرم في مفاوضات، ولم يتزحزح الطبلاوي عمّا قرره جنيهًا واحدًا! ووافق مكرم على مضض، لكن من يعرفونه يمكن لهم التنبؤ برد فعله بعد أن أنهى المكالمة!

الذي ذكرني بكتاب «ألحان من السماء» هو الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ المصرية سابقًا، و«المصحف» بحسب وصف صديقنا «محمد القدوسي» له، فالرجل ممن يراجعون المصاحف، ويدققون القراءات، وكنا في سهرة مباركة، بدوار عمدة الصعايدة في المهجر الشيخ محمد الصغير، وحضرها رئيس تحرير الراية عبد الله بن غانم البنعلي المهندي، وإعلاميون، ومُحبّون، وكانت على شرف المفكر والأكاديمي التركي ياسين أقطاي، الذي كانت الراية قد رعت مؤتمرًا له قبل قليل!

وقد كان اللقاء في رحاب تلاوة الشيخ حسن صالح، الذي أبهرني صوته عندما استمعت له أول مرة، ولا يزال يبهرني، إنه لحن خاص من ألحان السماء، فلما استمعت له سألت من هو؟، لأجد كثيرين يعرفونه، ولا أدري كيف لم أعرفه وقد كان ملء السمع والبصر، فلما علمت بقدومه في زيارة عائلية وصلاته للعشاء، في أحد المساجد، وجدت أنه من الضروري شد الرحال إليه، وقد استمتعنا به في صلاة العشاء وفي تلاوة بعدها، رغم أن مكبرات الصوت كانت رديئة، لأنه لم يراع في ضبطها قوة حنجرة القارئ! كما استمتعت بهذا الصوت الشجي، في أحد المجالس في هذه الليلة، التي سبقت لقاء دوار عمدتنا!

الشيخ صالح يعيشُ في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما تراه تشاهد رجلًا راقيًا ومتواضعًا على المستوى الإنساني، يسأل «المصحف» في تواضع، عن صحة قراءة معينة، ويطمئن عندما يأتيه الرد بأنه فعل الصواب!

ونظرًا لبعض الكبر، وربما بعض التصرفات، هناك من يطلبون بالتمييز بين القارئ وعمله، ولم يكن الطبلاوي لطيف المعشر في تعامله مع بعض القرّاء، وكنت أرجع هذا إلى الثقة في النفس، عندما تمتزج بالشعور بالاضطهاد، وقد ظل تسع سنوات يمتحن في الإذاعة ويسقط، وقبيل وفاته قال إن السبب في سقوطه أن الإعلامي والكاتب فايز حلاوة، أحد أعضاء لجنة الإجازة اشترط عليه أن يدرس المقامات، لكنه رفض ذلك!

والشهادة لله، فإن زملاء اقتربوا منه فلم يجدوا فيه إلا رجلًا طيبًا، وإن كان لا يجيد التعبير إذا تحدث، وهو ما لاحظناه في مقابلاته التلفزيونية، وهي نفس أزمة المنشد الشيخ ياسين التهامي، على العكس مثلًا من الشيخ مصطفى إسماعيل!

وقيمة الشيخ حسن صالح، في أنه ينتمي صوتًا وتميزًا للجيل القديم من القراء، في زمن اختلطت فيه الأصوات، فلا تستطيع أن تميّز بين قارئ وآخر، وقد كان لكل واحد من الأقدمين بصمته الخاصة، وكذلك الشيخ حسن صالح، وعندما تسمي القراء من الشيخ رفعت، للحصري، للمنشاوي، لمصطفى إسماعيل، لعبد الباسط عبد الصمد، للشحات محمد أنور، لمحمود علي البنا، لأبو الوفا الصعيدي، لغيرهم من الجيلين السابقين ستعرفهم بأصواتهم، بيد أن الجيل الحالي تتشابه أصواته، التي هي صناعة، لأن التقليد هو الأصل!

وبصمة الشيخ حسن صالح لا تخطئها أذن، ومنذ البداية، وهو بجانب حلاوة الصوت وخشوعه، وشَجَنه وتدفقه، فإنه يتسم بقوته، لا يحتاج إلى مؤثرات صوتية لتحسينه، فقوة حنجرته وليونتها تجعلانه يسبح بين المقامات في يسر وسلاسة، فيأخذ المستمع إلى عوالم أخرى!

ولكم سألت هل هي أزمة أصوات، أم أزمة اختيار؟، عندما نجد القراء المعتمدين إذاعيًا يفتقدون إلى البصمة، وهم مقلدون، ليس لهم خط خاص، ومن يملك خامة جيدة للصوت يتصرف على أنه مطرب في ملهى ليلي، مثل نجل الشحات محمد أنور، لكن عندما نستمع إلى الشيخ حسن صالح، ثم نستمع إلى المتسابقين في المسابقات المختلفة، وليس آخرها مسابقة كتارا، نكتشف أنها أزمة اختيار، وأزمة فساد وصل إلى اللجان المختصة، فلم تخرج إلا نكِدا، فينتهي أمر المسابقات إلى حصول الفائز على الجائزة ثم يختفي لصالح أصحاب الحظ والنصيب!

لقد كانت ليلة مباركة، استمعنا فيها إلى الشيخ المعصراوي تجويدًا، فكنا أمام واحدة من ليالي الزمن الجميل، في قراءة الساعة الثامنة بالإذاعة المصرية، وفي قراءة الجمعة، وكذلك قرآن المغرب في شهر رمضان!

سأعكف على قراءة «ألحان من السماء» !

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X