fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك.. السُّلطة والكتابة

الأنظمة الاستِبداديّة لا تسمع غير الأبواق الّتي تزعق بالهتاف لها

في أوطاننا العربيّة، نحنُ – بوجهٍ عامّ – لا نحترمُ كُتّابَنا ولا نُقدّر مُبدعينا، ذلك أنّ الأنظمة الاستِبداديّة لا تعترف بالإبداع، ولا تسمع غير الأبواق الّتي تزعق بالهتاف لها، إنّها تعمل على قاعدةٍ يعرفها الطُّغاةُ جيّدًا: «إذا لم تكنْ معي فأنتَ ضِدّي»! ولهذا أريدُ من الكُتّاب العرب المُبدِعين ألاّ ينتظروا عطفَ الدّولة ولا رعايتها، أنا هنا لا أتكلّم عن كُتّاب التّدخّل السّريع الّذين ما إنْ تشير لهم السّلطة إشارةً واحدةً حتّى يستلّوا أقلامهم ويبدؤوا بالكتابة كأنّهم ليسوا إلاّ ظِلًّا لها، بطريقةٍ مُخزية، وإذا لوّحتْ لهم بالدّولار سال لُعابهم.. وهذا النّوع من الكُتّاب لا يعرفُ لنفسِه رأيًا، ولا يُمكن أنْ يتّخذ موقفًا، وليس له من رِسالة إلاّ أنْ يكون كلبَ السُّلطة الوفيّ. ولِذا أقول إنّه لا مُقابل من أجرٍ مادّيٍ مُجزٍ للكُتّاب الحقيقيّين أصحاب الوقوف في وجه الظُّلم لا اليوم ولا أمسِ بالطّبع، ولن يكون غدًا. لا تتوقّعوا أنْ يحتفوا بكم، ولا أنْ يفتحوا قاعاتهم لندواتكم، ولا صُحُفَهم ومطابعَهم لكلماتكم، إنّ التّرفّع عن السّلطة الشّموليّة شَرَف، وإنّ التنكّب عن طريقها عِزّ، فإذا أراد الواحد مِمّن َضَمُّوا على سِكّين الكلمة ضُلُوعَهم أنْ ينتظر التّكريم والاهتِمام من هؤلاء فقد أضاعَ عُمره في طلب المُحال، إنّنا يجب أنْ نسير في دروبنا الّتي اختططْناها لأنفسِنا دون أنْ ننتظر من أحدٍ غير الله عونًا. يعضدنا في ذلك فِكرتُنا الواضحة وكلمتنا القويّة وإيماننا الحارّ، وعنادنا على السّير في الطّريق حتّى نبلغ الغاية مهما كلّف الثّمن. أحيانًا أنتَ لا تطلبُ منهم أكثرَ من أنْ يكفّوا أيديَهم عنك، أنْ يتركوك على باب الله تسير في أرضِه، لكنّ ذلك أيضًا لا يُقدّمونه لك، إنّهم يعتقدون أنّ تركَكَ دون رقيبٍ يُحصي عليك خُطُواتك، وحسيبٍ يَعُدّ عليكَ أنفاسَك ترفٌ لا يمكنهم أنْ يمنحوك إيّاه. لقد قالتْ رواية (حديث الجنود) شيئًا عن ذلك: «أنْ يقرأ النّاس كتابًا يعني أن تُغلِقَ الدّولة سجنًا» لا أدري مَنْ قال هذه العبارة مِنْ قبلُ؛ غير أنّني وأنا أحتال هنا على الزّمن بالقراءة، أرى أنّ السّجون تزداد عددًا، وتزداد ضِيقًا. في بلادنا العربيّة أعتقد أنّ السّجون تمتلئ بالمُثقّفين، وعليه فإنّ العبارة تُصبح ببساطة: أن يقرأ النّاس كتابًا يعني أن تفتح الدّولة سجنًا؛ سجنًا يتّسع لكلّ المثقّفين الّذين لا يُصفّقون للسلطة؛ العداء بين السّلطة والمثقّف قائمٌ منذ أن خطرتْ ببال أوّل إنسان فكرةُ السّجن. ولكنْ لماذا لا يفهم السّجّانون فكرةً مُحايدة قد تجسّر الهوّة بيننا: أقبلُ الاختلاف عنك، ولكنّ اختلافي عنك لا يعني اختلافي معك. واحذرْ أنْ تُخطّئني في الرأي لمجرّد أنّه لا يُعجِبك؛ فإنّما آراءُ النّاس صورةٌ عنهم، وأنتَ لا تستطيع أن تجمع النّاسَ على صورةٍ واحدة، وليس بالضّرورة أنْ أُشبِهك ولا أن تُشبِهني.
لا أدري ما هو حال المُبدعين الغرب؟ لكنّني أعتقدُ أنّ حرّيّتهم وإيمانهم بعبقريّة الفرد قد تمهّد لهم دروبًا لم يكنْ لنا مثلها، وقد تفتح لهم أبوابًا سُدّت كلّها في وجوهنا، غير أنّ الاستِبداد ليس له عصرٌ ولا مِصرٌ ولا شرقٌ ولا غرب، فمحارق الكتب عندهم واضطهاد الكُتّاب ليستْ عَنّا ببعيد، ولقد عانوا يوم أن حكمت الأنظمة الاستِبداديّة في بلادهم مثلما عانينا، ويومَ أنْ كانت الكنيسة تحكم بالدّين دون العلم حُكمًا اضطُرّ كوبرنيكوس على سبيل المثال أنْ يقف أمام قناعاته مُتردِّدًا خوفَ أنْ تطير رَقبتُه!

 

الأردنّ

[email protected]

[email protected]

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X