fbpx
كتاب الراية

تجربة حياة.. معرفة الذات

الله لم يخلق الناس على عقل واحد ولا على مقدرات ذاتية واحدة

إن التفكر بشكل سريع على نمط الأحاديث التي تدورُ بيننا وبين الآخرين، يكشفُ لنا أن أغلبها يتمحور حول الغير، طبعًا ليس بالضروري أن يكون بالجانب السلبي وإنما قد يكون بالحديث عن السمات الإيجابية، عن النجاحات، عن الإنجازات، وقد تصل إلى حد التعبير عن الإعجاب وعن الرغبة في تبني طريقة تفكير هذا الغير، أو انتهاج أسلوبه في جانب أو آخر، ولكن بالمختصر فإن النسبة التي يشغلها الغير في أحاديثنا هي أكثر بكثير من النسبة التي يشغلها الحديث عن أنفسنا بشكل ينم عن معرفة حقيقية بها وبمن نحن وماذا نريد!
نعم إن النفس وما هي قادرة على احتوائه من مضامين ومشاعر، ليس من السهل أبدًا أن تتعرف عليها بكليتها، وبالتالي ليس من اليسير أيضًا أن تصل معها إلى مرحلة التعرف الكامل على مكنوناتها بحيث تصبح ممتلكًا لمقدرة التحدث عنها بكل وضوح وثقة. إنها فعلًا عملية معقدة بدليل أن للنفس علمًا تخصصيًا يدرس في الجامعات، إن النفس أصبحت في عصرنا الحاضر محور الحديث في أغلب كتب التنمية البشرية والكتب التي تتناول طرق تحسين الأداء، فهي في كافة نظرياتها تحيل بالدراسة إلى النفس باعتبارها الأساس وتشير في طرق عملها إلى طرق التعرف على الذات أولًا باعتبارها ضرورة وذلك توصلًا لتحديد الأهداف، والأساليب وإلى أين نريد أن نذهب معها.
إنك كي تستطيع أن تعطي رأيًا موضوعيًا يستدل به ويعتمد عليه بكتاب، بمقال، برأي آخر لا بد وأن تكون قد قرأته أو اطلعت عليه كاملًا وفهمت مضمونه والرسالة التي يهدف إلى إيصالها فهمًا عميقًا، وكذلك الأمر عندما ترغب بأن تتحدث عن الآخرين إلى حد الحكم على أحوال نفوسهم، نياتهم، طرق تفكيرهم، أساليب حياتهم لا بد وأن تكون قد اطلعت عليها بشكل كامل وأحطت علمًا بكافة جوانبها.
إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الناس على عقل واحد ولا على مقدرات ذاتية واحدة وعلى طرق تفاعل واحدة، نحن مختلفون في كل شيء، وفي كل تفصيل مهما بدا المشهد غير ذلك مع من نجد لديهم شبهًا بأفكارنا أو انسجامًا مع شخصيتنا. نحن مختلفون واختلافنا ليس هو المعضلة بتاتًا لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الاختلاف إلا لما فيه المنفعة والمصلحة، المشكلة الأساس تكمن في أن أغلبنا لا يجد هذا الاختلاف حقيقة وجودية طبيعية وبدلًا من أن يلتزم النظر في عجزه عن التعرف على ذاته ومحاولة حل اختلافه معها، يسارع إلى النظر في اختلاف الآخر عنه ويعطي لنفسه الحق بأن يتحدث عنه ويحكم عليه ويضع الآليات التي يراها الأنسب لسير حياة الآخر.
قبل أن تحاول أن تطلع على نفوس، وطباع وأحوال الآخرين لتتحدث عنها أو تحكم عليها، الأوْلى أن تطلع إلى نفسك أنت وتتحدث معها عن حالها وأحوالها، أن تعمل على طرْق أبواب ذاتك أنت فتنفتح على ما بها من صراعات وتخبطات، أن تحمل مشعلًا من الوعي تنير به ظلماتك أنت من قصور في الفهم وقلة في الإدراك.
من انشغل بذاته وبمعرفة نفسه، سوف يكون مكتفيًا اكتفاءً يحقق الرضا الذاتي والاستقرار النفسي ولن يجد وقتًا تشغله به نفوس وذوات الناس إلا لما فيه خيره وخير الآخرين.

 

[email protected]

 

 

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X