fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة ….أيها الصديق

الصداقة شيء جميل وعظيم.. إذا كانت لغايات أسمى مما هو دنيوي فقط

كثيرًا ما نسمع أن «الإنسان اجتماعي بطبعه» فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخر. ولذلك نقضي حياتنا نبحث عن الأصدقاء الذين نأنس بهم ونصدقهم ويصدقوننا، ونشارك معهم أفراحنا وأقراحنا، سعادتنا وتعاستنا. إذ إنه لا يمكننا أن نعيش بدون أصدقاء حولنا.

فالصديق يخفف عنك الأحزان ويعينك على حمل الأثقال، ويساعدك على طاعة الله عز وجل ويدُلك على الخير وينصحك ويسددك ويدافع عن عرضك، وينقذك في كبوات الحياة ويأخذ بيدك حين تَدْلَهِم الأمور وتكثر الخطوب. هذا إذا كان صديقًا صادقًا، أما إذا كانت الصداقة فقط كلمة حدها اللسان والمجاملة في الظاهر فهي ضررها أعظم. فقد تكون هذه الصداقة هي التي تقودك للمهالك قبل أن تنقذك منها، وقد تجرك للتعاسة والنوائب لا أن ترفعها عنك، فيكون لك قدوة للشر بدل الخير. فالصاحب ساحب، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُر أَحَدُكُم مَنْ يُخَالِل» وفي هذا يقول الشاعر:

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه

                                                                                                فكل قرين بالمقارن يقتدي

ولهذا فالصديق الذي نتحدث عنه هنا هو الصادق الصدوق الذي يكون معك في الضراء والسراء. هو الصديق الذي يفرح لك ويحزن لك، وينصحك ويستنصحك، فتكون له أنت أيضًا بالمثل مؤنسًا وأنيسًا، ناصحًا وأمينًا، تتغاضى عن هفواته، وتتغافل عن زلاته، إذ السلامة من ذلك أمر مُتَعذّر في طبع البشر، فلا تبحث عن الكمال والمثالية، فالخطأ وارد والزلات واردة، لكن إن لم تكن هي الأصل والغاية، ولم يكن وراءها قصد مرتكبها، حتى إن الله الواحد الأحد يقول: (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ) كما أن إمامنا عليًا رضي الله عنه يقول: «تزودوا من الإخوان فإنهم عزُّ في الدنيا والآخرة. قالوا: يا أمير المؤمنين في الدنيا عرفنا ذلك، فكيف في الآخرة؟ قال: يقول الله عز وجل: (ٱلْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ). فالصداقة شيء جميل وعظيم، إذا كانت لغايات أسمى مما هو دنيوي فقط، وإذا كانت لله وفي الله. وليس صداقات المواسم والمناسبات، الصداقات التي تتكون حسب الحاجة وتستمر ما دامت أسبابها قائمة، فما إن تزول حتى تزول معها، وكانت نسيًا مَنسيًا، فترى ذلك الودّ الذي كان قد انقلب جفاء وقطيعة وعداوة. ولعل أعظم ما قيل في هذا تلك الأبيات المشهورة التي يحفظها الصغير والكبير عن الشافعي رحمه الله:

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

                                                                                            فلا خيرَ في وُدٍ يجيءُ تكلُّفا

ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ

                                                                                     ويلقاهُ من بعدِ المودَّة بالجفا

وَيُنْكِرُ عَيْشا قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ

                                                                                       وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا

سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا

                                                                               صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا

إذن فالأصدقاء حولنا أصناف وأنواع، ونحن من يختار الذين نتوسم فيهم الخير في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: «الأصحاب خمسة: فصاحب كالهواء لا يُستغنى عنه، وصديق كالغذاء لا عيش إلا به، ولكن ربما ساء طعمه أو صعُب هضمه. وصاحب كالدواء، مُرٌّ كريه، ولكن لا بد منه أحيانًا، وصاحب كالصَّهباء، تلذّ شاربها، ولكنها تُودي بصحته وشرفه، وصاحب كالبلاء. أما الذي هو كالهواء فهو الذي يفيدك في دينك وينفعك في دنياك، وتلذّك عشرتُه وتمتعك صحبته. وأما الذي هو كالغذاء فهو الذي يفيدك في الدنيا والدين، لكنه يزعجك أحيانًا بغلظته وثقل دمه وجفاء طبعه. وأما الذي هو كالدواء فهو الذي تضطرك الحاجة إليه وينالك النفع منه، ولا يرضيك دينه ولا تسلّيك عشرته، وأما الذي هو كالصهباء فهو الذي يبلّغك لذّتك ويُنيلك رغبتك، ولكن يفسد خلقك ويهلك آخرتك. وأما الذي هو كالبلاء فهو الذي لا ينفعك في دنيا ولا دين، ولا يمتعك بعشرة ولا حديث، ولكن لا بدّ لك من صحبته».

[email protected]

twitter:@Q_south

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X