fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. حين تتوقف الذاكرة..

ما الذي يحدث يا ترى؟ وما الذي يجعلنا عاجزين حتى عن مجرد صف الكلمات والجمل المفهومة؟

لا أعتقد أن هناك ما هو أصعب من اللحظة التي تتوقف فيها عن التفكير.. وعن معرفة ما تريده حقًا.. إنها اللحظة التي يشل فيها العقل.. فلا يستطيع أن يميّز بين المُهم وغير المُهم.. إنما يبدأ بفقدان كل الأشياء المخزنة بداخله منذ عقود من الزمان.. دون أن يعي أن تلك الأفكار تنسكب من مخيلته تباعًا.. ليس إلى الورق.. ولا إلى شاشة الكومبيوتر.. ولا لأي شخص مستمع على الخط الآخر.. وإنما لتضيع هباء بين الفضاءات اللامتناهية من الهواء والفراغ.. واللاعودة.. ولكن.. حين نقع وسط تلك الدوامة من العدم.. وحين لا نجد ما نتحدث عنه أو نلقي عليه الأضواء.. رغم كل الأفكار الكثيرة التي تتزاحم في مخازن الذاكرة.. تنتظر دورها للخروج من تلك النقطة اللا معروفة.. إلى نقطة التعريف والنشر والعلن.. حين ذلك فإننا لا نستطيع أن نعترف بذلك الخواء الذي يلفنا.. ويغلف ذاكرتنا وأعضاء الإحساس والمشاعر لدينا.. ما الذي يحدث يا ترى..؟ وما الذي يجعلنا عاجزين حتى عن مجرد صف الكلمات والجمل المفهومة.. التي يمكنها أن تعبر عن فكرة معينة.. أو رأي ما..؟؟ ما الذي يجعل كل تلك الحروف والكلمات تتلاشى وتختبئ في مرافئ العدم واللا وجود..؟؟

فقط لمجرد بعض الأحداث الكثيرة التي تحاول الاستيلاء على مواطن الذكرى والبهجة في عقولنا المزدحمة بالأسرار والمواجع والحنين..؟؟

ولماذا تحاول تلك الأحداث البغيضة أن تحتل كل ما لدينا من أحلام وآمال.. وذكريات جميلة.. لترسم بدلًا منها تلك العلامات المُبهمة بالاستفهامات الكثيرة.. والتي لا نجد لها أي جواب..؟ إنها الأيام والأحداث الموجعة.. التي تصر على الولوج إلى عوالمنا البريئة بكل لحظات الفرح والطفولة.. والتساؤل.. والاستفسارات.. لتغير من عاداتنا الطيبة والجميلة.. ولتحوّلها إلى مزيد من التراكمات المُضنية من الأسقام والحنين والضجر.. كثيرًا ما تمر بنا تلك الأحداث رقيقة كنسمات الربيع اللطيفة.. وهي تحاول أن ترسم الابتسامة بين مرافئ قلوبنا المنتظرة لسفن الحنين والفرح.. ناصبة أعلامًا ملونة بالحبر والطباشير.. وربما بألوان الشمع التي يستخدمها الصغار في كل مكان.. لتبعث الفرح والأحلام الجميلة إلى ربوعنا.. مع كل وردة تفتح عينيها صباحًا، وهي تقبّل قطرات الندى العذبة.. ومع كل ترنيمة عصفور ينقر فوق نوافذ الجيران والأهل والأصحاب.. ومع كل دورة كاملة من دورات الشمس الصاخبة حول كرتنا الأرضية.. المفعمة بالحياة والحركة والانبعاث.. وأحيانًا ما تتحرك الأحداث بداخلنا.. محدثة ما يشبه علامات الشغب التي تحدثها أوراق الخريف المتمردة.. والخارجة عن إرادة الطبيعة المملوءة بالعنف.. والأعاصير.. حيث تلتقي تلك الأوراق بمثيلاتها فوق الأرصفة وبين الأعشاب.. لتفر من بين أيدينا.. وهي تحاول الانفلات من عوامل التعرية والتجمد.. والانحلال.. محدثة بين كل لحظة وأخرى صفيرًا ودويًا ساخرًا.. تتجه نحوه الآذان مرهفة السمع.. والأقدام متتبعة الخطوات والأصوات.. معلنة عن قدوم فصل ورحيل فصل آخر.. تمامًا كما يحدث فوق أرصفة الرحيل والمغادرة في الموانئ والأرصفة المعجلة بالسفر والغياب.. حيث تودعنا تلك الأحداث الربيعية الخضراء المزهرة.. لتحل بدلًا منها.. صفرة القحط.. وعلامات الشيخوخة.. وقهر الأوجاع المضنية لكل سنوات العمر القادمة…. دعواتنا دائمًا.. أن يبقى ربيعنا أخضر.. وشتاؤنا ممطرًا بالحب والعطاء.. وصيفنا مشرقًا بالبهجة والمسرات.. وخريفنا خاليًا من الوهن والعطب والإصابات المزمنة.. والله معكم.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X