fbpx
اخر الاخبار

حوار الأديان بالدوحة.. نحو كلمة “سواء” لتعزيز التعايش والسلام في العالم

الدوحة – قنا :

عشرون عاما مضت منذ أول حوار أطلقته دولة قطر لتعزيز التفاهم بين الأديان، في واحدة من المبادرات الحضارية التي جاءت في إطار النهج المتأصل في سياستها وتفاعلها مع المجتمع الدولي، ذلك النهج القائم على الحوار والتفاهم ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز السلام وترسيخ أسس التعاون بين الحضارات والثقافات والأديان، عبر كثير من الآليات التي أنشأتها الدولة، من أجل ضمان مستقبل أفضل للمجتمع البشري.
وعلى مدى هذه الأعوام، وتحديدًا منذ عقد أول لقاء حواري بين الأديان بدولة قطر في أبريل من العام 2003 تفاعلت مؤتمرات الدوحة مع مختلف القضايا والموضوعات التي استجدت على الساحة العالمية وشكلت تهديدا للسلام والاستقرار في المجتمعات المحلية والمجتمع العالمي ككل، كما ناقشت أطر التعاون بين أتباع الأديان بما يخدم الإنسان بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه ولونه، فضلا عن بناء العلاقات والروابط بينهم، وتعزيز التفاهم ومعرفة الآخر لتحقيق أسس التعايش العالمي.
تمثل هذه المؤتمرات كما يصفها القائمون عليها “ملتقيات فكرية وتشاورية بين المفكرين وكوكبة مختارة من علماء الاديان والأكاديميين ورؤساء مراكز حوار الأديان من مختلف أنحاء العالم، مما يتيح للمهتمين بقضية الحوار بين الأديان والثقافات المختلفة فرصةً لطرح القضايا التي تهم المجتمعات، وللتشاور حول التحديات التي تَحول دون العيش المشترك والتعايش السلمي بين الأديان والثقافات المتعددة لتعم ثقافة السلام بين بني البشر. كما يسعى مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان من خلال تلك المؤتمرات لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة”.
يقول الدكتور إبراهيم النعيمي رئيس مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وهو المركز المعني بتنظيم هذه المؤتمرات، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ ” انطلقت مؤتمرات الدوحة لحوار الأديان في وقت كانت الأمة والعالم في حاجة ماسة للحوار، واستشعرت دولة قطر واجبها في هذا المجال، إيمانا منها بأهمية الكلمة وضرورة الحوار مهما كان الخلاف، لتعزيز التفاهم، وتحقيق التعايش، وبناء الروابط بين أتباع الأديان”.
ويضيف” مؤتمرات الدوحة تفاعلت مع مواضيع وقضايا عدة تهم أتباع الأديان والإنسانية بشكل عام، ونجحت في ترسخ مكانتها دوليا بالنظر إلى النهج المتبع في الحوار العلمي بين قادة الأديان والباحثين والمختصين والمهتمين من دول مختلفة حول العالم”.
كان أول لقاء حواري في الدوحة عبارة عن ندوة عقدت تحت عنوان ” بناء الجسور” ووصفه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في كلمته التي افتتح بها الندوة بأنه” لقاء من أجل السلام وإعادة الروح للقيم العليا والمبادئ المثلى للإسلام والمسيحية على السواء.. والتي تؤمن بوحدانية الخالق عز وعلا، وتدعو إلى التآخي والمساواة والتسامح والاعتدال ونبذ العنف واحترام حقوق الإنسان والمحافظة على كرامته وحماية حياته وممتلكاته”.
وفي العام التالي وتحديدا في شهر مايو 2004 جاء اللقاء الثاني تحت عنوان ” حرية التدين”، وكان مؤشرا حقيقيا لتوجه دولة قطر نحو استدامة الحوار بين الأديان، ورعايته، بعدما لمست حماسا ودعما لهذه الخطوة التي أشادت بها قيادات دينية عالمية ومؤسسات دولية مرموقة.
بعدها توالت المؤتمرات التي حملت قضايا متعددة تحت عناوين شتى “دور الأديان في بناء الحضارة الإنسانية، و” دور الأديان في بناء الإنسان”، و” القيم الروحية والسلام العالمي”، “القيم الدينيّة بين المسالمة واحترام الحياة” و”التضامن والتكافل الإنساني”، و”دور الأديان في تنشئة الأجيال”، و”وسائل التواصل الاجتماعي وحوار الأديان. نظرة استشرافية”، و”تجارب ناجحة في الحوار”، و”دور الشباب في تعزيز قيم الحوار”، و”الأمن الروحي والفكري في ضوء التعاليم الدينية”، و”الأديان وحقوق الإنسان”.
ويأتي المؤتمر الرابع عشر الذي ينطلق غدا / الثلاثاء/ تحت عنوان “الأديان وخطاب الكراهية بين الممارسة والنصوص”، ليؤكد مجددا على مدى أهمية وعمق الموضوعات التي تتطرق لها هذه المؤتمرات، وملامستها للقضايا والمشكلات التي تؤثر على قيم ومبادئ التعايش وتعكر السلام المجتمعي وتهدد الأمن العالمي.
وقد شهدت مسيرة الحوار في دولة قطر نقلة مهمة مع انطلاق مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، ليبدأ مهمته في الإشراف والتنظيم لمؤتمرات الدوحة اعتبارا من المؤتمر السادس، الذي عقد في مايو العام 2008، وليصبح مؤسسة رائدة معنية بالحوار بين الأديان والثقافات وبناء القدرات في مجال الحوار وثقافة السلام.
وجاءت رؤية المركز لتعكس طموحه في أن يكون نموذجاً رائداً في تحقيق التعايش السلمي بين أتباع الأديان، ومرجعية عالمية في مجال حوار الأديان، فيما تتلخص رسالته في السعي لحوار بناء بين أتباع الأديان من أجل فهم أفضل للمبادئ والتعاليم الدينية لتسخيرها لخدمة الإنسانية جمعاء، انطلاقًا من الاحترام المتبادل والاعتراف بالاختلافات، وذلك بالتعاون مع الأفراد والمؤسسات ذات الصلة”.

ويسعى المركز إلى أن يكون منتدى لتعزيز ثقافة التعايش السلمي وقبول الآخر، وبيت خبرة يوفر معلومات علمية وتعليمية وتدريبية في مجاله، إلى جانب تفعيل القيم الدينية لمعالجة القضايا والمشكلات التي تهم البشرية، وتوسيع مضمون الحوار ليشمل الجوانب الحياتية المتفاعلة مع الدين، وتوسيع دائرته لتشمل الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالعلاقة بين القيم الدينية والقضايا الحياتية.
ولدعم الجهود والمبادرات المؤسسية والشخصية لتعزيز الحوار وبناء السلام المستدام في المجتمعات متعددة الأديان والثقافات، أطلق المركز جائزة الدوحة العالمية لحوار الأديان في العام 2013، وتعد هذه الجائزة فريدة من نوعها في هذا المجال، على مستوى العالم العربي، وتختار لجنة أمناء الجائزة المحكِّمين من خيرة المتخصصين في مواضيع الجائزة من كل أنحاء العالم، ويتطابق موضوعها مع عنوان المؤتمر السنوي.
وتغطي الجائزة، أربعة مجالات يتمثل الأول في البحوث العلمية المتخصصة في العلاقات بين الأديان، أو تطوير المحتوى الأكاديمي للكتب والمناهج الدراسية والجامعية، وتدريب المعلمين والطلبة بهدف تكوين حصيلة معرفية عن الأديان.
ويتعلق المجال الثاني بالبرامج والمبادرات المتعلقة بالعدالة الاقتصادية في التعامل مع المجتمعات المحلية تحت مظلة الحوار بين الأديان من أجل التنمية المستدامة ومواجهة الفقر وتحسين الخدمات الصحية والأعمال الخيرية والإنسانية، فيما يركز الثالث على برامج ومبادرات لها صلة بالسلام وحل النزاعات سواء فيما يتعلق بدراسة أسبابها ونتائجها، أو وضع استراتيجيات وقائية لما قبل الصراعات، أو لتعزيز المصالحات أو تقديم حلول علاجية لما بعد النزاعات الدينية والطائفية.
ويركز المجال الرابع للجائزة على برامج ومبادرات تتصل بكيفية استخدام وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، مدعمة بوسائل التكنولوجيا الحديثة والإبداع، لتحسين سبل التواصل الاجتماعي وتطوير مفاهيم جديدة لبناء علاقات متينة بين أتباع الأديان.
ولا تقتصر جهود المركز على مؤتمرات الدوحة والجائزة فحسب بل توسعت أنشطته لتشمل تنظيم مؤتمرات وملتقيات خارجية نظم العديد منها خلال السنوات الماضية في لبنان ومصر والمغرب ومنطقة البلقان وغيرها من بلدان العالم، فضلا عن مشاركاته الخارجية في المؤتمرات الدولية ذات الصلة، ومساهماته العلمية عبر المجلات والإصدارات الخاصة.
كما بدأ مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، منذ العام 2010، تنظيم سلسلة من الطاولات المستديرة والندوات الداخلية للجاليات المقيمة بالدولة، والتي يصفها رئيس المركز بأنها “حوارٌ مجتمعي داخلي، يُعقد في فترات زمنية متقاربة بين ذوي الاختصاص من المفكرين وأساتذة الجامعات بالدولة لمناقشة قضايا الحوار والقضايا الاجتماعية التي تهم الجاليات في البلاد بهدف تعزيز الثقة وترسيخ التعايش السلمي بين الأفراد ذوي الثقافات والانتماءات المختلفة”.
ونجح المركز في تنظيم نحو 9 طاولات مستديرة حتى الآن، ناقشت قضايا مجتمعية مهمة، شملت قضايا التعليم، والأسرة، وحقوق الإنسان، والفرص والتحديات أمام الجاليات، والثقافة القانونية، والقيم الأخلاقية في العالم المعاصر، والجاليات والإعلام المحلي، وحوار الجاليات في ظل التنوع الديني، وغيرها.
وعن ثمار هذا الجهد الحواري الدولي، يؤكد الدكتور النعيمي لـ/قنا/ أن هناك تأثيرا ملموسا لهذا النشاط الحواري الفكري والعلمي، فقد نشأت علاقات وروابط بين أتباع الأديان، وأطلقت مبادرات تعاونية لمواجهة المشكلات في المجتمعات المحلية في بلدانهم، وخاصة بين القيادات الدينية من الجانبين الإسلامي والمسيحي في الغرب. بل وأصبح هناك تفهم إلى حد ما للإسلام، واستيعاب لقضايا المسلمين إلى حد كبير.
ويضيف أن هذه الثمار لم تكن لتتحقق لولا حرص المركز على استقطاب عدد كبير من المشاركين لمؤتمراته الدولية من قادة أديان، ومفكرين وباحثين، ومتخصصين في موضوعات المؤتمرات، ليصل العدد أحيانا إلى أكثر من 500 مشارك من 70-80 دولة حول العالم”.
ولا شك أن مؤتمرات الدوحة لحوار الأديان أصبحت منبرا عالميا للتلاقي والتفاهم، ومعلما شاهدا على إيمان دولة قطر الراسخ بالحوار، وكانت وما زالت مصدر إلهام للكثير من التجارب التي تلت هذه التجربة القطرية التي تطورت واتسعت آفاقها على مدى عقدين، لاسيما بعد تأسيس مركز الدوحة.
ويقول الدكتور بدران بن لحسن، أستاذ مشارك باحث بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة قطر، لـ/قنا/ إن تأسيس مركز الدوحة لحوار الأديان شكل خطوة مهمة نحو مأسسة الحوار، وتوسيع دائرته ونشاطاته، وضمان رصانة وعمق الأبحاث التي تقدم في مؤتمراته، وتحقيق الأهداف والتطلعات المرجوة من هذا الحوار.
ويضيف ” نعلم أن حوار الأديان على المستوى العربي والإسلامي كان عبارة عن ردود أفعال ولقاءات متقطعة، لكن مع انطلاق مؤتمرات الدوحة، ثم تأسيس المركز تحول الحوار إلى عمل مؤسسي منظم تتراكم فيه الخبرة ويتأسس فيه الوعي بالآخر بطريقة علمية وموضوعية وهادئة”.
ومن جانبها، تؤكد الدكتورة ليليا شنتوح من كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر في تصريح مماثل لـ/قنا/ ، أن مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان أصبح من المراكز العالمية التي تسعى إلى جمع أتباع الأديان لدراسة القضايا المشتركة التي تهم الإنسانية.
وتضيف الدكتورة شنتوح، والتي شاركت في عدد من مؤتمرات وأنشطة المركز، أن عالمية هذا المركز تتجلى صورة واضحة في نشاطاته ودوراته وبصورة أدق من خلال المواضيع الحساسة والآنية المختارة لمؤتمراته التي تنعقد بشكل دوري.
ولا شك أن هذا الحراك الحواري النشط والمتعدد الأبعاد والمستويات لمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، يعكس إيمانا عميقا بقيمة الحوار الذي يعد مبدأ حضاريا إسلاميا، يعترف بالتنوع، في ظل ” كلمة سواء”، تقود إلى النظر إلى القواسم المشتركة والبناء عليها لتجاوز الاختلاف المفضي إلى النزاع والشقاق، والانطلاق نحو الاحترام المتبادل والتعاون على البر والتقوى بين المجتمعات والأديان والحضارات المختلفة.

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X