fbpx
كتاب الراية

خواطر قلم.. أَعْظمُ مَوَاكِبِ التَّارِيخ

ما رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ منْ يَوْم دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلمَ المدينة

من أعظمِ مواكبِ التاريخ موكبُ قدومِ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة النبوية في حادثة الهجرة، فقد كان يومًا مشهودًا في تاريخ الإسلام، فلمَّا بلغ أهل المدينة خبرُ هجرةِ الرسول صلى الله عليه وسلم ومسيره إليهم في مدينتهم فرحوا بقدومه فهو النبي الكريم، الذي صنع لهم أملًا جديدًا وحياةً آمنةً مطمئنةً، بعد حياة الشرك والحرب والفوضى والجهل، فكانوا ينتظرون هذه اللحظة ويُحصون أيامها ويعدُّون ساعاتها؛ لاستقبال حبيبهم وقائدهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم، وكانوا يخرجون كل غداة بأسلحتهم إلى أطراف المدينة لاستقباله صلى الله عليه وسلم حتى يؤذيهم حَرُّ الظهيرة، فلما أطَلَّ موكبُهُ الكريم صلوات الله وسلامه عليه استنارت أرجاء المدينة وفرح الناس فرحًا عظيمًا، وخرجوا كبارًا وصغارًا ليشهدوا هذا الحدث الفريد، وأطلتْ العواتقُ من فوق البيوت، وكان النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ، فلم يُرَ منظرًا شبيهًا به في الحسنِ والنورِ والبهاء.

في مُوكبٍ للهِ أشرقَ نورُهُ

فيهِ وقام جلالُهُ يَتمثَّلُ

وكَانَ قدومُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ الثاني عشر من ربيع الأول روى ابْنُ إسْحَاقَ عن بعض الأنصار، قَالُوا: لَمَّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ وَتَوَكَّفْنَا -استشعرنا وانتظرنا- قُدُومَهُ كُنَّا نَخْرُجُ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ إلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا نَنْتَظِرُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فو اللَّهِ مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِن الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ وَأَنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ -اسْم جدة كَانَت لَلأنصار- هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَأَكْثَرُنَا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النَّاسُ وَمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى زَالَ الظِّلُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ البراء: (وجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْتُ النَّاسَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْإِمَاءَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ)، وَعن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: (شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَهِدْتُ يَوْمَ مَوْتِهِ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ، وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

ومن أجمل ما قيل في قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة:

أقبِلْ فتلكَ ديارُ يثْرِبَ تُقبلُ

يكفيكَ من أشواقِها ما تَحِملُ

القومُ مُذْ فارَقْتَ مكةَ أعْيُنٌ

تأبَى الكَرَى وجوانحٌ تَتَمَلْمَلُ

يتطلَّعُون إلى الفِجاجِ وقولهُم

أفَما يُطالِعُنا النبيُّ المرسَلُ

أقبلتَ في بِيضِ الثّيابِ مُباركًا

يُزجي البشائرَ وجهُكَ المتهلِّلُ

ما للديارِ تَهزُّها نَشَواتُها

أهي الأناشيدُ الحِسانُ تُرتَّلُ

رفَّتْ نضارتُها وطابَ أريجُها

وتدفَّقَتْ أنفاسُها تتسلسلُ

فكأنَّما في كلِّ دارٍ روضةٌ

وكأنَّما في كُلِّ دارٍ بُلْبُلُ

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X