fbpx
كتاب الراية

خواطر.. «قها»

ننعم بالقهوة في أي مكان حول العالم.. وتحظى بمكانة مرموقة لا تقل عن النفط والقمح

إلى عُشّاق القهوة، التي تمزجُ الصباح بالموسيقى وألوان الطيف رغم سوادها ومرارتها، لنتفق أننا نحبها رغم اختلافاتنا. إلى كل ولهانٍ يزخرف التوق بِسُمْرَتها، وإلى كئيب يستأنسُ بصمتها الفّواح، ويُشبهها بمرارة مشاعره وسواد أيّامه، لو كان للمسكينة لسان، لاشتكت منّا، لا إلينا، كما نفعلُ بها.

لم يعتقها أحد من الجمرِ، ولا من الكَرِّ والفرِّ في أي جلسة، أو فرح، أو عزاء، وتندرّ الكثيرون إن كانت يمنيّة الحسب، أم إثيوبيّة النسب، أو كولومبية الجينات.

في القرن العاشر الهجري، وبعد أن ذاع صيتها، واشتهر غنجها، اندلعت في مصر ثورة القهوة، التي وقعت بين فتاوى التحريم والتحليل، إثر اكتساحها شبه الجزيرة العربية ومصر، بسطوتها الناعمة وأثرها الطيّب في أروقة الوصال، لمجرّد أنها غريبة ودخيلة.

ويُروى أن راعي أغنام في إثيوبيا، لاحظ نشاطًا غير معهود على أغنامهِ، بعد أن أكلت ثمارًا صغيرةً حمراء، فلمّا جرّبها بنفسه، شعر بنشاط مختلفٍ وظل مُتيقّظًا طوال الليل.

وبغض النظر عن تعدّد روايات اكتشافها، هي اليوم حلالنا، وننعَمُ بها في أي مكان حول العالم، وتحظى بمنزلةٍ مرموقةٍ في التداول التجاري العالمي، لا تقلُ شأنًا عن النفط والقمح.

آه.. القمح، نسيت أنّه عاد مصدر قلق العالم، وعليّ اللجوء لصوامع التاريخ، وذِكر ما تيسّر من ثورات الجياع، التي اندلعت نتيجة نقصه، وسوء توزيع الغذاء بين الفقراء والأغنياء، والاحتكار، ثم الغلاء، في ظل قلة المحاصيل الزراعية.

فتمّ ما تمّ من اجتياحاتٍ طمعًا في الخيرات، وتجنبًّا للمجاعات، فما من بلد غني بالزراعة والمياه إلا وتعرض للغزو، وما زالت البطون تسعى للمزيد، ولم يعد معلومًا إن كانت الحروب تُسبِبُ المجاعات، أم أن المجاعات تؤدي للحروب، وأيّهما يُغيّرُ التاريخ الجوع أم التُخمة؟!

وخلال جولة في الإنترنت عن النقص الغذائي المُحتمل، ظهرت لي صور مُعلّبات فولٍ اسمها «قها»، كانت تملأ البيوت قبل خمسة عقود تقريبًا، وهي إنتاج شركة عربية متخصصة بحفظ الأغذية، لله درّك يا مصر، كم كنتِ عظيمة.

يقول مُختار الصحاح: «قها» القَهْوَةُ الخمر، قيل سُمّيت بذلك لأنها تُقْهِي أي تذهب بشهوة الطعام. أما لسان العرب فيقول، أَقْهى عن الطعام تركه وهو يَشْتَهيه، أو اقْتَهى ارتدَّت شهوتُه عنه من غير مرض، أَقْهَمَ تعني الشخص القليل الطعام. تُرى هل ستسعفنا القهوة في القَهوِ عن الطعام إن شَحّ، أم ستكونُ رهن الاحتكار؟!.

ويبقى التفاؤل في قوله تعالى «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ».

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X