fbpx
كتاب الراية

بيني وبينك …. قَدَاسة القلم

كان القلم في السّجن بالنسبة لي أعز مفقود وأنبل مأتِيّ

الخُطوة الأولى في أنْ تُصِبح كاتِبًا، هي أنْ تعشقَ القلم، ليس بالمعنى المجازيّ الّذي يعني الحرف مثلًا أو النّصّ أو الكتابة، ولا بالمعنى الحقيقيّ الذي يعني تلك الأنبوبة التي تحوي حبرًا وفيه رأسٌ يكتب، لا هذا ولا ذاك، بل أنْ تعشقَ قداسةَ القلم، أنْ تشعرَ بذلك الشّعور الذي يشعره مَنْ يرى معشوقته، أو ذلك الشّعور الذي يخفقُ له الوِجدان، هيبةً ولطفًا، رغبةً ورهبَة. أنْ تُقدّرَ مكانة القلم، أنْ يكونَ تلك النِّعمة الّتي تخشى أنْ تفقدها لو أنتَ قلّلتَ احتِرامَك لها أو عاملْتها كما لو كانتْ تحصيل حاصلٍ. أنْ تشكرَ الله على هذه النّعمة في كلّ حين. أنْ تُدركَ أنّ قيمة القلم لا يُمكن وصفُها ولا الإحاطة بها، حينَ تعرف أنّ ربّ الأرباب قد أقسمَ به، ولا يُقسِمُ العظيم إلاّ بعظيمٍ من خَلْقه، حين قال: «والقلمِ وما يسطرون».

لقد كان القلم في السّجن بالنّسبة لي أعزّ مفقودٍ، وأعظم مرجوّ، وأشرفَ مقصود، وأنبلَ مَأتِيّ. ولقد كنتُ أراه خلفَ أذن الشّاويش فأودّ لو أنّني أحمله من هناك من خلفَ تلك الأذن، وأضمّ عليه شغاف قلبي، وأقرّب شفتَيّ من عليائه وألثُمه. ولقد قلتُ في رواية يا صاحبي السّجن عن ذلك: «بدأتُ أنظر إلى شاويش المهجع، وهو يتمتّع بهذا الهامش من الحرّيّة، وأحسده على القلم الرّابض خلف أذنه. هل أستطيعُ أن أستعيره منه ولو لساعة؟! هل يقبل؟ أنا مستعدّ أن أدفع له ما يشاء مقابل ساعةٍ حميميّةٍ مع القلم. ولكنّ القلم ذكر، والورقة أنثى، وحتّى يثمر الإبداع يجب أن يتمّ التلاقي بينهما!! غير أنّ الورقة صعبة المنال كذلك. تذكّرت كم كنّا نُهدِر نعمة الأوراق قبل السّجن، كنّا نكتب على الورقة سطرًا أو سطرين، ثمّ نمزّقها. نكتب على وجهها، ونترك ظهرها. كانت هناك مساحات شاسعة بين أيدينا وما التفتْنا إليها. كان هناك مئات الأوراق مبعثرةً على أسطح مكاتبنا وما شعرنا بقيمتها العالية. والآن نتمنّى أن نحصل على ورقة واحدةٍ فقط بحجم الكفّ ولا نستطيع».

القلم سِرّ الوجود، هو الذي كتب الكلمة الأولى فصارَ من بعدِه العَدَم حدثًا، فلمّا شاع بين أيدي الجهلة نَكِروا منزلته، ولم يعرفوا حَقّه، ورأوا كثرته غامزةٌ في قناة قيمته، وما يفعل ذلك إلا الجاهلون!

اليوم، إذا كنتَ تشعر بتلك الارتِجافة للقلب، وأنتَ تتخيّلُ نفسكَ خالِيًا من النّاس والوجود إلا القلم والورقة، فمعنى ذلك أنّ ذلك الإحساس الشّفيف الّذي يعيشُه الكُتّاب تعيشُه أنت، إنّها خطوةٌ هامّة في الطّريق إلى الكتابة. هذا ليسَ وهمًا؛ هذا ما كنتُ أشعر به في صِغري حينَ بدأتُ أتلمّسُ أوّلى خُطواتي في هذا العالَم، وكلّما كان الإحساس حارًّا أعطاك القلم من فُيوضه، كلّما وهبتَ له فؤادَك وهبكَ هو فؤادَه بالمقابل، وجعل أفكاركَ عبر الحبر السّائل تتدفّقُ تدفّقًا حُرًّا عَذْبًا.

في فترةٍ لاحقة تطوّر ذلك الشّعور الأقرب إلى القداسة إلى أنّ رمي القلم بعد انتِهاء حبره هو تعذيب، أو هو غدرٌ بمن منحكَ حبره حتّى جَفّ ثُمّ أنتَ ترميه للهلاك والخراب، وبمَنْ أولاكَ خيرَه ثُمّ أنتَ تجزيه سوءَ الجَزاء، ولقد تذكّرتُ في ذلك المرأة الأنصاريّة الّتي نجتْ على ناقة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم من الأسر بِمكّة، حينَ قالتْ: يا رسول الله، إنّي نذرتُ إِن نجوتُ عليها أن أنحرَها. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبِئْسَ ما جَزَيْتِها». وقول الشّاعر الّذي دعا على ناقته أنْ تَهلكَ وتَختنقَ بدمائها إذا هي حَمَلتْه وبلّغتْه الموضع الّذي يريد:

إِذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلِي

عَرَابَةُ، فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِيْنِ

فأَنِفْتُ أنْ أفعل، فسعَيتُ إلى الاحتِفاظ بالأقلام الّتي جَفّ حبرها، وتراكم منها عددٌ كبير، ثُمّ فَكّرتُ فيما بعدُ أنْ أشتري ذلك النّوع من الأقلام الّتي يُمكن تعبِئتها بالحبر، كان عهد الرّيشات قد ولّى، وإنْ كنتُ لا أزال أحتفظُ ببعضِها إلى اليوم، ولكنّ تعبئة الحبر من أقلامٍ لم تُصنَع لذلك بالأساس لم يكنْ ملائِمًا، وإنِ استحسنْتُه في البداية، فقد كان الحبر يفيضُ في كلّ مرّة فيُلوّث يدَي، ويُلطّخ ثيابي.

الأردنّ

AymanOtoom@

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X