fbpx
كتاب الراية

سطور شاردة.. لصوص لكن ظرفاء

اللص الجديد قد يكون معك في بيتك أو معك في نفس العمل

أيها المواطن العزيز لا تكن ساذجًا ولا طيبًا أكثر من اللازم، ولا تكن من الذين يصدقون الشعارات وتغرهم المظاهر الجميلة والثياب الأنيقة، ويثقون في الكلام الحلو المنمق. فالحذر كل الحذر، فاللصوص لم يعودوا صنفًا واحدًا، كنا نتصوره في صغرنا بوجهه الشرير ولباسه الأسود وهو يتسلق الأسوار ليلًا، لينتشل بعض الريالات التي قد يجدها في صندوق الادخار، أو يصل لبعض مجوهرات الذهب، ويجمعها في كيسه قبل أن يفر هاربًا قبل استيقاظ أرباب المنزل.
كبرنا وأدركنا أن اللصوص أصناف، وطرق الانتشال أنواع. وبأن من اللصوص من يأتيك من حيث لا تدري. فقد يأتيك في النهار أو مع إشراقة شمس الصباح وأنت أيها المواطن غافل -يا غافلين لكم الله- يأتيك لصوص لا تعرفهم لصوصًا، فهم مختلطون معك في المجتمع، ولهم أساليب جديدة ومتنوعة، أساليب لا تشبه أبدًا الأساليب القديمة التي عرفناها للسرقة والسطو. بل الأخطر في الأمر أنه قد يأتيك في لباس القانون والحق الذي سيحميك من السرقة، وفي مظهر الذي يريد لك الخير، فيوهمك أنك الرابح، أو أنه إنما جاءك بفضلٍ عظيم وصيدٍ ثمين يريده لك، فيسيل لعابك أنت وتصدق كلامه وتزداد فرصه في عمليات اختطاف المحافظ الصغيرة من جيوب النساء والرجال. وما هو إلا ثعلب يريد افتراسك. كما يقول الشاعر:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب

بل الأدهى والأمرّ أن هذا اللص الجديد قد يكون معك في بيتك أو معك في نفس العمل أو على قارعة الطريق، أو حتى على شاشة التلفاز. فهو كما قلت لك متلوّن، لا تعرف له مكانًا واحدًا ولا شكلًا محددًا ولا وظيفة معينة. لأنه ببساطة له سلطة أقوى من سلطتك ووسائل تفوق إدراكك، وخيوطه إليك كثيرة جدًا، وارتباطاته بك كبيرة. فكل مظاهر المدنية الحديثة ربطتك بلصوص مختلفين ينهشون فيك وفي رزقك من كل حدب وصوب، ولا يتوقفون حتى تسقط منهكًا من المتاعب والمصاريف التي تدفعها لهم كالإتاوات التي كان يدفعها الناس للفتوات في القديم.
بل حتى صديقي المتقاعد، الذي يظن أنه انتهى منهم وسيعيش السنوات القليلة التي بقيت من عمره في سلام وبعيدًا عن أطماعهم، سرعان ما يجدهم أمامه ويرى أنهم ما زالوا يطمعون فيه وفي آخر ريال من دخله الشهري الذي لا يكفي حتى لقوت يومه ولتحمل الزيادات وأعباء الحياة.
بل إن الأخطر في الأمر أنه نستطيع أن نعاقب اللصوص التقليديين وأن ننفذ فيهم حد الله تعالى (وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَـالًا مِّنَ ٱللَّهِ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ). لكن هؤلاء اللصوص لا يمكننا ذلك ولا حيلة لنا أمامهم، لأن ليس لديك أي دليل أو برهان، ولأنهم يسرقونك بالقانون وهذه، وربي، أخطر أنواع السرقة. لأن المسروق يظل أمامها مكبلًا لا حيلة له ولا قوة. فقد يأخذون متاعه، ويذهبون به للسوق ليبيعوه، ويتبعهم ليشتري هو نفسه منهم المسروق منه بثمن غالٍ، ويتداول معهم في الثمن لعلهم يرأفون به ويخفضون له في الثمن قليلًا ليكون لهم من الشاكرين!
إذن أيها المواطن المسكين لا داعي أن تفصل ثوبًا فيه جيوب فمصيرها واحد، ولا تشتري خزنة فيها أرقام سرية، لأنك ستعطيهم الرقم ليسرقوا متى شاؤوا بغير حول منك ولا قوة.
أما أنتم أيها اللصوص، أقول لكم متوسلًا: كفاكم عبثًا، واتركوا لي فقط ما تبقّى!

[email protected]

twitter:@Q_south

العلامات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X